رغم مرور 24 عامًا على رحيلها، لا تزال الفنانة الشاملة سعاد حسني تحتل مكانة فريدة للجمهور العربي، محتفظةً بحيويتها وروحها الفنية، رافضةً أن تُختزل في فكرة أنها «نجمة من زمنٍ مضى». فقد مثّلت سعاد حسني نموذجًا استثنائيًا للفنانة القادرة على الجمع بين التمثيل والغناء والاستعراض، متنقلةً بسلاسة بين الأدوار الخفيفة والعميقة، ومقدمةً مزيجًا نادرًا من الدلال والمرح والجرأة في آنٍ واحد.
بداية النجومية الموسيقية
سطع نجم سعاد حسني كفنانة استعراضية لافتة عندما قدّمت دور «سميحة» في فيلم “صغيرة على الحب” عام 1966 من إخراج نيازي مصطفى. جسّدت في الفيلم شخصية شابة تدّعي الطفولة للمشاركة في مسرحيات استعراضية تُعرض عبر التلفزيون، ما أتاح لها الاحتكاك المباشر بالمسرح الموسيقي التقليدي.
كشفت السندريلا خلال العمل عن قدرة مبهرة على المزاوجة بين الأداء التمثيلي والرقص والغناء، مع تحكم واضح في طبقات صوتها، إذ تنقلت بسلاسة من المقاطع الخفيفة في المونولوج والديالوج، إلى الغناء الدرامي العميق الذي يتطلب مساحات صوتية عالية. كتب كلمات أغاني الفيلم الشاعر حسين السيد، ولحّنها كمال الطويل، بمشاركة محمد الموجي في تصميم الموسيقى.
الاسكتشات الكوميدية
بعد عام واحد من تجربتها في "صغيرة على الحب"، ضمّ المخرج نيازي مصطفى سعاد حسني إلى تجربة جديدة صقلت أدواتها الأدائية، وأسهمت بشكل كبير في ترسيخ تألقها الغنائي الاستعراضي خلال السبعينيات. شاركت بدور "رئيسي في استعراضات وإسكتشات فرقة «ثلاثي أضواء المسرح» — سمير غانم، والضيف أحمد، وجورج سيدهم — ضمن فيلم ”شباب مجنون جدًا”.
وكانت الفرقة آنذاك من أشهر الفرق الكوميدية، وتميّزت بقدرتها على الارتجال وصناعة كوميديا قائمة على الانفعالات والتحكم في طبقات الصوت. من أبرز ما قدّمته سعاد حسني معهم أغنية «روحنا لكيكي». وكررت التجربة في عام 1968 بفيلم الزواج على الطريقة الحديثة من خلال أغنية «خدنا أجازة».
ذروة التألق السينمائي
بعد تنوّع تجاربها في ستينيات القرن الماضي، كانت سعاد حسني مهيأة لترسيخ صورتها الذهنية لدى الجمهور كفنانة شاملة. دخلت السبعينيات بقوة عام 1972 من خلال الفيلم الموسيقي الدرامي "خلي بالك من زوزو"، من إخراج حسن الإمام، وقدّمت فيه عددًا من الأغاني، أشهرها «يا واد يا تقيل»، من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل.
جسّدت في هذه الأغنية حالة الهيام العاطفي عبر مستويات متعددة تراوحت بين الاستغراق والتهكم. ويتردد جماهيريًا أن صلاح جاهين عرض الأغنية في البداية على أم كلثوم، لكنها لم تتحمس لأدائها.
وفي عام 1975، خاضت تجربة رومانسية أخرى في فيلم" أميرة حبي أنا"، بالتعاون مجددًا مع صلاح جاهين. وقدّمت في هذا العمل طيفًا واسعًا من الألوان الاستعراضية؛ من الأغنية العاطفية «بمبي»، إلى الأغنية الاجتماعية المرتبطة بموسم الربيع «الدنيا ربيع»، إضافة إلى إسكتشات وأغانٍ كوميدية مثل «كي كي كيكو» و«شاب أسمر جميل»، التي أدّتها باللهجة اللبنانية بأسلوب متعمد يفيض بالفكاهة.
إيقاع شعبي متفرّد
كان من الطبيعي، بحكم موهبتها وحضورها، أن تتناول سعاد حسني نمط الموسيقى الشعبية على مستوى الكلمات والألحان والموضوعات. ففي فيلم “شفيقة ومتولي” عام 1978، تناولت بالنقد النفاق الاجتماعي والفساد الأخلاقي من خلال أغنية «بانو بانو»، التي كتبها صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل.
تميّزت الأغنية بطابعها الشعبي الخالص، وبأداء راقص جمع بين الاستعراض المسرحي وحركات الغوازي.
وفي العام التالي، عادت السندريلا مع صلاح جاهين إلى العوالم الشعبية في فيلم “المتوحشة”، حيث أدّت دور مغنية ضمن فرقة تجوب الموالد. عكست أغاني الفيلم أفكارًا متعددة، من الفروق الاجتماعية والثقافية بين الطبقات في «حبيبي أنت يا فيلسوف»، إلى ثنائية الحب والغدر في «شيكا بيكا»، وصولًا إلى استلهام التراث الشعبي في أغنية «بهية البراوية».
بصمة تلفزيونية لا تُنسى
لم تكن سعاد حسني تميل إلى إيقاع التحضير للمسلسلات التلفزيونية، وظلّت لسنوات تعاني خلافًا فنيًا مع مخرج مسلسل “هو وهي” يحيى العلمي. ومع ذلك، جاء أداؤها في هذا العمل — الذي شاركها بطولته أحمد زكي — على قدر استثنائيته. تركت السندريلا بصمة غنائية واضحة من خلال أغانٍ مثل «البنات البنات»، و«لا تجيبلي شوكولاتة يا بلاش يا ولا»، و«حلقاتك برجالاتك»، و«بابا زمانه جاي».
وقدّم المسلسل، الذي عُرض عام 1985، صورة أكثر هدوءًا لسعاد حسني على مستوى الحركة والحيوية، إلا أنها عوّضت ذلك بتركيز انفعالي عالٍ، وحافظت على بريق أدائها الصوتي. ورافقها في هذه التجربة صلاح جاهين كعادته، إلى جانب بصمة موسيقية مميزة لكل من عمار الشريعي وكمال الطويل.






