عندما تُذكر فيروز وزياد الرحباني اليوم، يتبادر إلى الذهن مباشرة رابط الأم بابنها. لكن على المستوى الفني، بدأت الحكاية من مكان مختلف تمامًا. ففي أواخر السبعينيات، كان كل منهما يسير في مسار مستقل، قبل أن يلتقيا في واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في تاريخ الأغنية اللبنانية.
كانت فيروز آنذاك تقف أمام مرحلة مفصلية من مسيرتها، بعد سنوات طويلة من التعاون مع عاصي ومنصور الرحباني، وتبحث عن لغة موسيقية جديدة تحافظ على هويتها من دون أن تكرر نفسها. وهنا جاء دور زياد الرحباني، الذي لم يحاول تقديم نسخة جديدة من فيروز، بل أخذ صوتها الذي يعرفه الجميع ووضعه في سياق موسيقي مختلف، مستفيدًا من تجربته في التلحين والتوزيع.
وجاء ألبوم "معرفتي فيك" عام 1987 ليشكل نقطة تحول حقيقية، إذ حمل للمرة الأولى عبارة "من إنتاج فيروز" على الأسطوانة، بينما تجاوز دور زياد حدود التلحين إلى إعادة التفكير في شكل الأغنية نفسها، مع إدخال عناصر من الجاز والبلوز وتوزيعات غير مألوفة في أعمال فيروز.
ولم يقتصر التغيير على الموسيقى، بل امتد إلى النصوص أيضًا، إذ غنت فيروز كلمات أقرب إلى الحياة اليومية، وقدمت صورة مختلفة للمرأة، أكثر واقعية وتعبيرًا عن الغضب والملل والتناقضات الإنسانية، بعيدًا عن الصورة الرومانسية التقليدية التي ارتبطت بها لسنوات.
ورغم الجدل الذي رافق هذا التحول في حينه، أصبحت أعمال فيروز وزياد الرحباني اليوم من أبرز محطات الأغنية اللبنانية، فيما بقيت هذه التجربة شاهدًا على قدرة الفنان على التجدد، وصنع هوية جديدة من دون التخلي عن جذوره، حتى بعد مرور عام على رحيل زياد الرحباني.
تباعوا المزيد في الفيديو..
تقرير مبني على بحث ومقال "السّت نُهاد وأبو علي: العقد الأول من سحر فيروز وزياد" لكاتبه عمر ذوابة:

