لربما كانت الكتابة عن صوت رافق ذكريات طفولتنا، مهمة صعبة، بل وعديمة المصداقية. في مساحة من الوعي، سيختلط الحكم الواقعي الحيادي للحواس بالحنين، فيغلب الأخير في كل مرة.
لكن عقودًا طويلة مرت منذ تسرب صوت ميادة بسيليس إلى مسمعي لأول، عقود من النضج كانت كفيلة لأن أعيد تقييم ما سمعته منها بعيدًا عن ذكريات الطفولة. بعيدًا عن صوتها يصدح من مذياع السيارة في الليالي الصيفية، ولكنتها "الحلبية" الوفية لمدينتها التي لا تتبدل أينما حلت، وأحاديث أمي الفائضة بالتقدير حول ميادة الحقيقية التي تشبهنا كنساء.
بعد مرض ميادة ورحيلها المفاجىء والصادم عن عالمنا في العام 2021، أعدت الاستماع إلى أرشيفها كاملًا. لا أعلم ما كان دافعي حينها، وعما كنت أبحث، لكني وجدته بكل الأحوال: مشروع سوري أصيل متكامل. في "يا طيوب" و"كذبك حلو" و"عادي" و"أحسنلك تروح" وغيرها الكثير من أغانٍ رنانة، تشكل أرشيف يكاد يكون الوحيد الذي صمد بتعنت ووضوح وهوية مستقلة طوال التسعينيات والألفية الجديدة، من مجمل ما شملته بالبحث والتدقيق في الأرشيف الموسيقي السوري عبر هذين العقدين.
لم يكن التحدي الذي واجهته ميادة بسيليس مع زوجها الموسيقار سمير كويفاتي مقتصرًا على صناعة صوت متفرد. كان هناك معارك عديدة خاضاها سويًا بهدوء في غياب الدعم وشركات الإنتاج، وسطوة عصر الفيديو كليب والأغاني المتشابهة، والرغب بالانتماء والوفاء لما تعلماه ودرساه من موسيقى في مدينة حلب، على حساب الانتشار والشعبية.
لكن ذلك لم يمنع من أن ينتشر صوتها في الأوساط التي ناسبته، وصل لجماهير طالبت به في لبنان وتونس وأوروبا، وطلبت سماعه سواء بأغانيه الخاصة، أو بأغاني الإرث الطربي التي جعلته يلمع على نحو خاص.
اكتفت ميادة بسيليس بمن فهم مشروعها من الجمهور، اكتفاء يصعب على الفنان عادةً، خاصة حين تبدأ موهبته بتحريكه مرغمًا نحو الأضواء بلا رحمة، طلبًا للمزيد. لكن في حالتها، وشت ثقتها وهدوءها بوعي عميق لمشروعها الفني مع شريكها، فأدارته كما رأت، عوض أن تنسحب خلف نداء الشهرة أو الجماهيرية.






