في بلدة كفرشيما التي خرج منها الأخوين رحباني وحليم الرومي وغيرهما من الأغنية اللبنانية، لم يكن الغناء مجرد مهنة تبدأ وتنتهي عند حدود المسرح، بل كان جزءًا من تكوين البيئة والبشر. وضمن حدود هذه القرية تكونت شخصية ماري سليمان الفنية.
في منزلها، كان صوت محمد عبد الوهاب حاضرًا على الدوام عبر تأثر والدها به، بينما منحتها سنوات الدراسة في مدرسة "راهبات الأنطونيات" بكفرشيما تدريبًا مبكرًا على الترتيل الديني، وهو ما انعكس لاحقًا على أدائها .
مبكرًا وفي عمر السادسة عشر أصبح صوت ماري سليمان أكبر من زمنها، خامة أوبرالية ممتدة المساحات وحضور واثق لا يحتاج للبهرجة.
صوت "أسمهاني" النكهة!
في عام 1980، وقفت الفتاة التي لم تكن قد تجاوزت السادسة عشرة أمام لجنة اختبار برنامج "استوديو الفن"، غنت لوردة "في يوم وليلة" من ألحان عبد الوهاب، وكما كان متوقعًا فازت بالمركز الأول في فئة الأغنية الكلاسيكية عن محافظة جبل لبنان.
هذا ما دفع الصحفي المعروف جورج إبراهيم الخوري ليقول عنها: "لو ولدت في مصر، لكان الموسيقار محمد عبد الوهاب أول من تبناها فنيًا لأنها اسمهانية النكهة".
لم تتعامل ماري مع نجاحها بوصفه شهادة مكتملة. التحقت بالكونسرفتوار، وواصلت صقل موهبتها، مستفيدة من توجيه الملحن والناقد سامي الصيداوي.
ملحم بركات .. الإنطلاقة الأولى
على ألحان الفنان الكبير ملحم بركات عرفت طريق ستوديوهات الصوت عندما لحن لها أول أغنياتها "لما الحب بتشعل نارو"، ضمن ألبوم "أحب الحب" عام 1988 .
بدا واضحًا أن بركات يعرف جيدًا ما يفعله بهذا الصوت، فلم يروضه بالصيغة التجارية المعتادة، بل منحها مساحات أوسع لتظهر قدراته.
فظهرت أغنيات الألبوم الستة برعاية ملحم بركات وأسماء من أهم صناع الأغنية اللبنانية مثل : سامي ونور الملاح، جورج مارديروسيان، توفيق بركات، إلياس الناصر.
مسيرة قوية في زمن البوب
توالت ألبومات ماري سليمان بالتعاون مع كبار صناع الأغنية اللبنانية، كان صوتها بمثابة نقطة التقاء للمدرسة الطربية وإيقاع العصر ونكهة الأصوات الأوبرالية.
فقدمت ألبوم "كلمة تانية" عام 1990 واتجهت فيه نحو الأغنية المصرية بالتعاون مع الملحن خالد الأمير والشاعر صلاح فايز في أغنيتي "أقول ما بحبوش" و "تستاهل كل الخير"، وتوارى اسم ملحم بركات وسط تساؤلات حول خلافات فنية بينهما.
بعدها تركت شركة "ريلاكس إن" وانتقلت إلى شركة "ميوزيك ماستر" لتقدم معها خمس ألبومات خلال التسعينيات هي: "الصوت والحلم"، "بفهم عليك" ، "اكتبلي"، "قالوا" ، و"ده مكاني".
في هذه السنوات لم تكن ماري أسيرة اللون اللبناني وحده، ولم عن منطقة الطرب التي جاءت منها، فتنقلت بين الأغنية الرومانسية واللون اللبناني والشعبي المصري.
لهذا تعاونت مع الشاعر عوض بدوي والملحن صلاح الشرنوبي في أغنية "أهو من ده الوقت"، ودخل مسيرتها أسماء مصرية أخرى مثل الشاعر مصطفى كامل والملحن عصام كاريكا، والملحن محمد ضياء والشاعر بهاء الدين محمد.
الصوت ضد معادلة الزمن؟
مع نهاية التسعينيات، تغيرت صناعة الأغنية العربية بسرعة. لم يعد نجاح المطرب مرتبطًا بالصوت وحده، وبدأ الفيديو كليب يتحول من وسيلة لتقديم الأغنية إلى جزء من صناعة النجومية نفسها. ومع هذا التحول كانت ماري تُقسم حياتها بين الفن والأسرة، بينما السوق نفسه بدأ يعيد تعريف نموذج المطربة ولم تعد ماري تحاكي هذا النموذج وسط أسماء جديدة تبني نجوميتها بالصورة أولًا.
بعد غياب امتد لسنوات، عادت ماري سليمان عام 2006 بألبوم "بكرا منشوف" من إنتاج "روتانا" كانت العودة محاولة لإعادة تقديم صوتها داخل سوق جديد، من دون التخلي عن هويتها.
شهد الألبوم حضورًا قويًا لأسماء لامعة في معادلة الصناعة الجديدة على رأسهم مروان خوري شاعرًا وملحنًا، بجانب وسام الأمير، وشاكر الموجي، ومحمد ضياء.
لكن هذه العودة لم تغيّر المعادلة، فابتعدت عن الساحة معلنة عن مرحلة "بيات" فني دون اعتزال كامل.
أين ذهبت ماري؟
في "موريكس دور" عام 2011، ظهرت على المسرح في دويتو مع وائل كفوري بأغنية "شو قيمة النظرة". لم تكن تلك مجرد فقرة غنائية عابرة. كان المشهد أشبه بتذكير مفاجئ باسم غاب عن الصورة لكنه لم يفقد شيئًا من أدواته.
في عام 2016، عادت بأغنية "صرت أحلى" من كلمات جورج جرداق وألحان فيلمون وهبي. بدت الأغنية، كأنها واحدة من تلك النهايات التي لا تحتاج إلى إعلان صريح.
ولكن الابتعاد دام لعشر سنوات أخرى، وتعامل الجميع معها باعتبرها مُعتزلة، إلى أن عادت هذا العام بأغنية "نصي التاني" كلمات مازن ضاهر ولحن يحيى حسن .
ثم جاءت العودة الأخيرة إلى الواجهة من بوابة التكريم، لتكشف المفارقة الأهم في قصة ماري سليمان: بعض الأصوات لا تختفي لأنها أصبحت أقل أهمية، وإنما لأنها لم تعد تنتمي إلى الطريقة التي تسير بها الصناعة.
حين يقف صوت مثل ماري سليمان اليوم على المسرح ويحصل على تكريم عن مسيرته، فإن الاحتفاء لا يذهب إلى الماضي وحده. هو أيضًا احتفاء بمرحلة كاملة من الغناء العربي.
وكأن السؤال ليس: أين ذهبت ماري سليمان؟
بل: أين ذهب هذا الزمن؟






