لاشك أن الساحة الغنائية العربية في بداية الألفية لم تكن تبحث فقط عن صوت جديد، لكنها كانت تبحث عن صورة جديدة للمغنية، صورة تواكب التطور الذي طرأ على فكرة صناعة النجم.
ولهذا لم يكن غريبًا أن ظهور نانسي عجرم جاء في لحظة مثالية تمامًا، بالتزامن مع صعود الفيديو كليب، وهيمنة الفضائيات الموسيقية، وتحول الأغنية من حالة سمعية إلى مُنتج بصري.
ومع أغنية "أخاصمك آه" بدأت تقدم الصورة الأكثر وضوحًا للمطربة الدلوعة، باعتبارها النسخة العصرية لنماذج قديمة مثل صباح وشادية، لكن بجرأة بصرية أكبر، وإيقاع أسرع، ولغة أقرب لجيل الفضائيات.
صورة الأنثى الجديدة في الأغنية
كليبات مثل "أخاصمك آه"، "آه ونص" لم تكن مجرد أغاني ناجحة، بل كانت تأسيسًا لصورة ذهنية جديدة للأنثى في الأغنية العربية. لم تقدم نانسي صورة المرأة المُعقدة أو المجروحة، لكنها قدمت "الأنثى المرغوبة" من منظور الرجل الشرقي. امرأة تمنح الحنان، والدلع، والاحتواء، وتتجاوز بسهولة، وتعرف كيف تستخدم الإغواء كجزء من حضورها الطبيعي.
لهذا تحولت سريعًا إلى الصوت الأنثوي الأبرز للعلاقة العاطفية الخفيفة لدى جيل كامل. الأغاني قصيرة، الألحان بسيطة وسهلة الحفظ، الأداء ناعم مُعبر عن الفكرة، والكلمات تدور دائمًا حول أنوثة مرنة تعرف كيف تحتوي الرجل نفسيًا وعاطفيًا.
لكن ذكاء نانسي الحقيقي ظهر في أنها لم تستسلم بالكامل للفخ الذي صنعته بنفسها.
فرغم النجاح الساحق لألبوم "يا سلام" بسبب كليب "أخاصمك آه" والجدل الذي أثارته الأغنية إعلاميًا واجتماعيًا، كان الألبوم نفسه يحمل محاولة واضحة لإثبات أنها مطربة رومانسية أيضًا، وأن مشروعها لا يقوم فقط على الإغراء. أغنية "يا سلام" نفسها قدمت وجهًا أكثر هدوءًا ورومانسية، وكأنها تقول مبكرًا إنها لا تريد أن تُختزل في صورة الأنثى المثيرة فقط.
من صوت الإغراء إلى مُغنية "الأسرة"!
الفكرة نفسها تكررت في "آه ونص" ثم "اطبطب وادلع". دائمًا توجد الأغنية التي تتصدر المشهد بالدلع والأنوثة، لكن داخل الألبوم توجد منطقة أخرى أكثر نضجًا وثقلًا. أغنيات مثل "إحساس جديد"، "قول هنساك"، أو "أنا يلي بحبك" كانت تؤكد أن نانسي تبني مشروعًا أوسع من مجرد كليبات مثيرة ناجحة.
من الواضح أن الفترة بين 2003 و2007 كانت مرحلة تأسيس الهوية، صوت خفيف ومحبوب، موسيقى سهلة، وصورة بصرية تعيد تعريف شكل النجمة العربية الجديدة. لكن مع الوقت، بدأت معظم المطربات الشابات يدخلن نفس المنطقة، وهنا أدركت نانسي أن استمرارها لن يتحقق بتكرار المعادلة نفسها.
لذلك فعلت ما هو أصعب، غيّرت صورتها قبل أن يملها الجمهور، وبدأت تتحول تدريجيًا من رمز الإغراء الخفيف إلى مطربة الأسرة.
لعب شكلها المرن دورًا مهمًا في هذا التحول، الأنوثة الصاخبة تراجعت لصالح صورة البنت المرحة والحبوبة، خصوصًا مع مشروع "شخبط شخابيط" الذي منحها جماهيرية ضخمة عند الأطفال، وخلق علاقة مختلفة بينها وبين الجمهور العربي.
ثم جاء ألبوم "بتفكر في إيه" عام 2008 ليعلن هذا التحول بشكل أوضح. هنا خرجت نانسي من عباءة الإغراء المباشر، واكتفت بصورة البنت الشقية القريبة من الناس. حتى الكلمات نفسها أصبحت أكثر انضباطًا وأقل اعتمادًا على التلميحات الجريئة.
أغنيات مثل "بتفكر في إيه"، "سهرني سهر"، "ماشي حدي"، تبدو خفيفة، ولكنها تناقش زوايا أكثر جدية في العلاقات العاطفية مقارنة بالغناء للدلع والحنان، وفي نفس الألبوم قدمت أغنية "مين ده اللي نسيك" قدمت نانسي كنجمة رومانسية مكتملة، وقادرة على تقديم كليبات تحمل أفكارًا إنسانية واجتماعية لا تحتاج إلى الصدمة البصرية.
لاحقًا، بدأت صورتها الشخصية كزوجة وأم تنعكس تدريجيًا على اختياراتها الفنية. لم تعد تعتمد على الدلع المبالغ فيه، لكنها احتفظت دائمًا بفكرة القرب من الناس، تلك القدرة النادرة على أن تبدو نجمة وجارة وصديقة في الوقت نفسه.
في ألبوم "نانسي 7" مثلًا ظهرت واحدة من أكثر أغانيها نضجًا "في حاجات"، وهي أغنية نقلت مشاعر المرأة تجاه الإهمال العاطفي بلغة هادئة وناضجة، وتحولت بالفعل إلى جملة عاطفية تتداولها كثير من النساء مع الرجال.
وعندما عادت للغناء للأطفال عبر "سوبر نانسي"، لم يكن الأمر مجرد مشروع ترفيهي، بل امتدادًا لصورتها الجديدة. أغنية "يا بنات" تحديدًا تجاوزت كونها أغنية للأطفال، وأصبحت رسالة اجتماعية ناعمة ضد الثقافة التي تفضل إنجاب الذكور على البنات، وهو ما منح نانسي بعدًا إنسانيًا أكثر عمقًا من صورتها الأولى.
صورة هادئة واختيارات محسوبة
في ألبوماتها الأخيرة، خصوصًا "نانسي 10" و"نانسي 11"، بدت وكأنها تقدم خلاصة كل مراحلها السابقة معًا. هناك الشقية في "سلامات" و"جاية معاك"، وهناك المرأة الناضجة عاطفيًا في "بدي حدا حبه"، "ما تعتذر"، و"حبك بيقوى".
لم تعد نانسي تبحث عن إعادة إنتاج صورة "أخاصمك آه"، لكنها صارت تتعامل مع نفسها كمطربة تملك شخصيات متعددة، وتعرف كيف توزعها بوعي داخل الألبوم الواحد.
أهمية نانسي عجرم الحقيقية لا تكمن فقط في نجاحها الجماهيري، بل في أنها غيرت هوية المطربة العربية الحديثة. هي من فتحت بابًا واسعًا أمام مدرسة "الدلع" باعتبارها عنصرًا أساسيًا في صناعة النجومية النسائية بالألفينات، وقدمت النسخة الأكثر اكتمالًا من فكرة النجمة الخفيفة القريبة. لكنها أيضًا كانت الأذكى بين بنات هذا الجيل، لأنها فهمت أن الصورة التي تصنع النجاح في مرحلة، قد تتحول إلى قيد في مرحلة أخرى.
لهذا فتحت نانسي باب الدلع والأنوثة لجيل كامل، ثم تركته مفتوحًا للآخرين، وذهبت تبحث عن نسخة جديدة من نفسها.






