في شتاء 2003، كان قد مرّ أكثر من عام ونصف على صدور "أكتر واحد بيحبك" الصيف انقضى دون ألبوم جديد، على عكس عادة عمرو دياب السنوية. الصحافة كانت تتناقل أخبار تعاونات متعددة مع شعراء وملحنين وموزعين، فيما توقّع كثيرون أن يواصل الهضبة العمل مع فريقه المعتاد، وعلى رأسه الموزع طارق مدكور، شريك الثورة الموسيقية السابقة. لكن"علم قلبي" صدر خاليًا من اسمه، معتمدًا على جيل جديد من الموزعين مثل فهد، هاني يعقوب، وعمرو شاكر، في خطوة عكست رغبة واضحة في التجديد.
قوبل الألبوم وقتها بعاصفة من الانتقادات الصحفية، وذهب البعض إلى مقارنته بألبوم "جرح تاني" لشيرين عبد الوهاب، بل وصل الأمر حد الادعاء بأن المطربة الشابة -وقتها- "اكتسحت" الهضبة! لكن تلك السردية لم تستند إلى أي دليل حقيقي، لا أرقام المبيعات دعمتها، ولا انتشار الألبوم عربيًا أكدها. وهو ما قاله لي المُنتج الكبير محسن جابر في لقاء سابق.. فلماذا اخترعتها الصحافة؟
ربما لأن "علم قلبي" كان سابقًا لزمنه، جريئًا أكثر مما يحتمله السوق وقتها، وهنا مربط الفرس.
تجربة أجرأ من زمنها!
الزمن وحده أنصف التجربة، حين اكتشفت أجيال جديدة الألبوم لاحقًا، وراودها الشعور المدهش بأن هذه الموسيقى صُنعت وكأنها خرجت من الاستوديو بالأمس.
الملاحظة الأبرز في"علم قلبي" هي حضور عمرو دياب الملحن بقوة. شارك في تلحين أغلب الأغاني: "علم قلبي" و "حبيبي ياعمري" مع خالد عز ، "أنا عايش" مع عمرو مصطفى ، "خليني جنبك" مع نادر نور، وأخيرًا انفرد بتلحين "انت مقولتش ليه؟" ولهذا كتب على غلاف الألبوم بوضوح: "رؤية فنية: عمرو دياب"، في إعلان صريح عن قيادته الكاملة للتجربة.
يمكن تلخيص هوية الألبوم بعنوان عريض هو سيطرة موسيقى الـ آر-أند-بي بمختلف تنويعاتها وتفرعاتها.
هوية بنكهة الـ آر-أند-بي
نجح دياب وفريقه في مزج الـ آر-أند-بي مع الألحان والمقامات الشرقية على امتداد الألبوم، وكأن كل أغنية تُصاغ بهويتين متوازيتين. هوية شرقية تتنقل بين البياتي والحجاز والنهاوند والكرد، وبصمة غربية في التوزيع، مع تطعيمات ذكية بآلات شرقية. معادلة صعبة التنفيذ، لكنها هنا جاءت متقنة.
أغنية "علم قلبي"، التي افتتحت الألبوم بتوزيع فهد، مثال واضح على هذه المعادلة، إيقاع "الفريحي" الخليجي يأتي متسللًا في الخلفية ممزوجًا بالـ بايس-جيتار، وسينثستايزر إلكتروني، وردود وترية مشحونة، في توليفة متعددة الثقافات.
في "أنا عايش" لحن عمرو دياب وعمرو مصطفى، وتوزيع هاني يعقوب، يقترب الألبوم بوضوح من روح الـ آر-أند-بي والهيب هوب، خاصة في صولو الكيبورد الذي يستدعي أجواء أغنية In Da Club لفيفتي سنت. والمفارقة أن للأغنية توزيعًا آخر لفهد استبعده دياب لشعوره بأنه "مُعقد موسيقيًا".
أما في "قالي الوداع" فتغوص الأغنية في روح البلوز، القادر على احتواء الحزن والأسى، معنونًا الحالة بسؤال بسيط ومباشر: "هو الوداع يتقال في إيه؟".
في "يا كنزي" التي غناها عمرو لابنته ولحنتها رشيدة الحارس، قدم الموزع هاني يعقوب مزيجًا جريئًا من الـ آر-أند-بي والروك والفانك، مع خطوط وترية شرقية بديعة لهاني فرحات.
إيقاعات فلكلورية وتراث كلثومي!
تأتي أغنية "تقدر تتكلم" لحن وكلمات محمد رفاعي وتوزيع فهد كحالة خاصة، ظهر فيها دياب متأثرًا بنجاح أغنية "أنا ليك" لسامو زين، حيث أُعجب ببنيتها الموسيقية، وخطوط الوتريات التي صاغها هاني فرحات، فجاء به ليصنع نُسخة درامية تناسب الهضبة، لتتحول كلماتها لاحقًا إلى حكمة شعبية متداولة: "وهو بكرة نقول كانت ذكرى وعشنالنا يومين!".
يتواصل تلاقي الإيقاعات في "لو عاشقاني" كلمات بهاء الدين محمد ولحن محمد رحيم، حيث يمزج هاني يعقوب إيقاع "القباحي" الشعبي المصري القديم مع العود والبايس جيتار والكيبورد، في توليفة تجمع بين البوب والتراث.
ويستعرض عمرو دياب الملحن تأثره الواضح بالتراث الكلثومي بالتعاون مع خالد عز في أغنية "حبيبي ياعمري" بلحن شرقي يتنقل بين الحجاز والبياتي، ونفذ الأغنية موزعان هما يحيى الموجي للتخت الشرقي على أنغام الإيقاع "السنباطي"، بينما تولى الموزع فهد تطعيم هذا الشكل الموسيقي بايقاع الدرامز و ردود "البيز جيتار" لمنحها روحًا عصرية.
في أغنية "انت مقولتش ليه" يعود عمرو دياب كملحن إلى مقام البياتي، قبل أن ينطلق فهد بالأغنية نحو إيقاعات غربية صاخبة مستوحاة من أغنية The Bongo Song الشهيرة وقتها، مع الحفاظ على صولو عود ومزمار إلكتروني.
في أغنية "حنيت" قدم خالد عز لحنًا شرقيًا من مقام الحجاز لكلمات هاني الصغير، المفارقة أن الأغنية شهدت التعاون الوحيد للهضبة مع الموزع عمرو شاكر، بعزفه المميز على الـ Fender Rhodes، لتخلق حالة روحية دافئة تمزج الشرق بالغرب.
ربما كانت أغنية "كلهم" للموزع هاني يعقوب هي الاستثناء الوحيد خارج إطار التجديد في الألبوم، حيث اعتمد على إيقاع المقسوم ليصيغ لحن عمرو مصطفى وكلمات أيمن بهجت قمر .
"ختام فضائي" وهارد روك !
يختتم عمرو دياب ألبومه بواحدة من العلامات الفارقة في "خليني جنبك" التي لحنها نادر نور بمشاركة عمرو، ووزعها فهد. عاد فيها الهضبة لصياغة مقدمات موسيقية طويلة، ولكنها تحمل أجواء من الغموض، وصاغ فهد توزيعًا قلت سابقًا أنه " توزيع فضائي" نسبة إلى العوالم الغريبة التي خلقتها أصوات الموسيقى، مع تصاعد ينتهي بقالب هارد روك مشبع بصولوهات الجيتار الإلكتروني، بينما استعرض عمرو دياب في الغناء قدراته الصوتية كفنان قادر على التنقل بين السلم الموسيقي صعودًا وهبوطًا بسلاسة مدهشة.
في النهاية، لم يكن"علم قلبي" مجرد ألبوم، بل محطة مفصلية في مشروع تحديث الأغنية العربية. تجربة لم تُنصفها الصحافة وقتها، لكنها نالت تقدير الأجيال اللاحقة.وهذا غالبًا قدر الفنانين المجددين: أن يسبقوا زمنهم… ثم يأتي الزمن ليعتذر.






