في سوق الأغنية المصرية هناك قاعدة ضمنية متعارف عليها بين نجوم "البوب" وهي الابتعاد قدر الإمكان عن موعد طرح ألبوم عمرو دياب، فعلى مدار سنوات، أصبح وجود "الهضبة" في المشهد سببًا كافيًا لتغيير خطط كثير من المطربين. لذلك لم يكن قرار تامر حسني بطرح ألبومه "مش هتكرر" قبل ساعات من صدور "حبيتك" صدفة، بقدر ما كان رغبة في إثبات الحضور بجرأة.
لكن الحقيقة أن قيمة هذا الألبوم لا تقاس بتوقيت صدوره، ولا بأرقام الاستماع التي ستظل رهينة لحسابات المنصات وخوارزمياتها، بل بإجابته على سؤال مهم: هل نجح تامر حسني أخيرًا في كسر الحلقة التي ظل يدور داخلها طوال السنوات الأخيرة؟
الإجابة الأقرب هي: نعم.
منذ منتصف العقد الماضي، بدا تامر حسني وكأنه يعيش صراعًا مع صورته القديمة. انشغل بمتابعة "التريندات" في موسيقى البوب العربية، تارة عبر الإيقاعات الإلكترونية، وتارة بالاقتراب من المهرجانات. لم تكن المشكلة في التجريب نفسه، لكن في أن هذه المحاولات بدت منفصلة عن شخصيته الغنائية التي أحبها الجمهور. ووسط كل ذلك استحوذت السينما على نصيب كبير من طاقته وجهده، فبدت صناعته للألبومات أقرب إلى إثبات نجومية أكثر من كونها شغفًا موسيقيًا حقيقيًا.
تامر حسني الذي عرفناه
لأول مرة منذ سنوات نسمع ألبومًا لتامر حسني يعرف صاحبه جيدًا ماذا يريد أن يقول، وكيف يقوله.
هذا التحول لا يكمن في اختيار أغنية بعينها، وإنما في أغلب الاختيارات. وكأن تامر توقف عن مطاردة الجديد، وبدأ يبحث عن نفسه، لم يسأل: ما الرائج الآن؟ بل عاد ليسأل: ما الذي جعل الجمهور يحب تامر حسني أصلًا؟
الإجابة جاءت في استعادة الهوية التي تشكلت مع ألبوماته الأولى تحت إدارة نصر محروس. هذه العودة تظهر بوضوح في أغنيات مثل : "وش الخير"،"ياخسارتنا"، "عايزك توعديني"، "قال فاكرني"، "في القلب انت"، و "متأثر بغيابه"، أعمال لم تكن بالنسبة لي اختيارات جيدة فقط، بل أغاني تُذكر المستمع بسبب تعلقه يومًا بتامر حسني.
رجال الهضبة!
أكثر ما يلفت الانتباه أن تامر أحسن اختيار شركائه، وخرج من دائرة تفضيلاته الشخصية والمقربين منه في عالم صناعة الأغنية، حيث تعاون مع أسماء مثل عمرو مصطفى، ومحمد يحيى، وعزيز الشافعي، وتامر حسين، وأمير طعيمة، وعادل حقي، أسماء لامعة ونجوم في مجالاتهم، ولكن اختيارهم يكشف عن إدراك واضح بأن المشروع يحتاج إلى لغة فنية أكثر نضجًا.
المفارقة أن معظم هؤلاء هم في الوقت نفسه من أبرز صناع نجاحات عمرو دياب خلال العقدين الأخيرين، ما جعل الجمهور يُطلق عليهم تسمية "رجال الهضبة". لكنهم في الحقيقة منحوا تامر حسني بخبرتهم ما كان يفتقده، ألا وهو "شخصيته الفنية" .
عمرو مصطفى تحديدًا يبدو صاحب التأثير الأكبر داخل الألبوم ، ففي "بنت مين" يعيد تامر إلى مساحة الفلامنكو التي غاب عنها طويلًا، وفي أغاني أخرى مثل "عايزك توعديني" و"ياخسارتنا" و"بعيش على الذكرى" التقط الجُملة اللحنية الرومانسية التي تشبه إحساس تامر وتلائم صوته دون افتعال.
بين التراث والشعبي والذكريات
حضور تامر حسني كملحن بمشاركة كريم محسن في أغنية "وش الخير" لامس ذاكرته الصوتية في أغنيته الشهيرة "قرب حبيبي"، لحن من مقام البياتي يميل مع التوزيع إلى حالة فولكلورية معتمدًا على صولوهات العود والناي مع إيقاعات الموزع "نابلسي". أغنية بدت قادمة من روح تراث سيد درويش في رائعته الشهيرة "محسوبكو انداس".
في المقابل، واصل محمد يحيى إثبات أنه أحد أكثر الملحنين قدرة على فهم طبيعة أصوات مطربيه. سواء في "قال فاكرني" أو "مش هتكرر" أو "دهب قشرة"، إلا أنني أتوقف تحديدًا أمام أغنية "قال فاكرني" كنموذج واضح لاستعادة ذاكرة النجاحات القديمة، وتحديداً تجربة "ناسيني ليه". على المستوى الموسيقي، قدم محمد يحيى لحناً دسمًا بين دخول هادئ وصعود حاد في المقاطع الانفعالية. كلمات مصطفى ناصر عبرت بحرفية عن حالة التعافي الكامل واللامبالاة القاسية، وتتجلى قوتها في تشبيهات المرض والشفاء : "وجودك انت كان عيايا.. لكن خلاص خفيت".
في أغنية "دهب قشرة" يمارس محمد يحيى هوايته في تقديم ألحان شرقية، بينما كلمات "ڤانتا" راهنت على السخرية من الخائن وتصغير قيمته بمجازات شعبية ذكية مثل : "ياللي بيعت اتنصب عليك.. ياللي اشتريت ناس طلعوا القشرة".
رومانسيات الندم والإنكسار
على مستوى الكلمات، يفرض الشاعر تامر حسين نفسه بوصفه الرابح الأكبر في الألبوم. ليس لأنه يكتب بلغة جديدة، بل لأنه يعرف جيدًا كيف يحول المشاعر المألوفة إلى جمل تعلق في الذاكرة، ومفردات تنتمي لشخصية تامر حسني في "يا خسارتنا" لحن عمرو مصطفى و"متأثر بغايبه" لحن عزيز الشافعي، لم يكتب عن الفراق كحدث، بل باعتباره حالة نفسية ممتدة، تعتمد على الأسئلة والندم والاعتراف أكثر من اعتمادها على البلاغة اللفظية.
أغاني وظيفية بلا تأثير
ورغم هذا التماسك، لا يخلو الألبوم من لحظات أقل أثرًا، مثل أغنية "ماتيجي" كلمات ولحن بلال سرور والتي تبدو وكأنها فكرة توزيع موسيقي سبق الأغنية نفسها، بينما تضمنت الكلمات صورًا لا تتضيف للأغنية ملاحقة القافية مثل : "تيجي ننط في البحر .. لازم حبة جراءة .. يمكن يتفك السحر .. يمكن ناخد براءة".
كذلك تمر أغنيات مثل "ماتمشيش" و "مولعينها" و "اتحامى فيا" باعتبارها أغنيات وظيفية أكثر منها محطات فنية مؤثرة. الأولى تراهن على أجواء النوادي الليلية، والثانية تستثمر في مفردات الاعتزاز بالذات التي أصبحت سمة متكررة و "بائسة" في الأغنية الشعبية ، أما الثالثة فتقدم رومانسية تقليدية تصلح أكثر لرقصة حفلات الزفاف.
لهذا وأخيرًا .. تبدو القيمة الحقيقية لـ"مش هتكرر" أنه ليس الألبوم الأكثر جرأة في مسيرة تامر حسني، لكنه ربما الأكثر وعيًا ونضجًا. وعي بأن الهوية الفنية لا تُبنى بملاحقة التريند والحديث عن أرقام المشاهدات سواء كانت صدقًا أو إدعاءً، بل بمعرفة المنطقة التي يستطيع الفنان أن يكون فيها نفسه.






