حالة من الجدل الموسيقي أثارها الملحن وليد سعد عندما اتهم تووليت باقتباس لحن أغنية لطيفة "في الكام يوم اللي فاتوا" في إعلان تجاري.
الفنان الشاب الذي اختار أن يخفي وجهه خلف قناع، لا يخفي بالضرورة مصادر ذاكرته الموسيقية.. بالعكس، تبدو موسيقاه وكأنها قائمة على استعادة الماضي، ليس بنقله حرفيًا، بل بإعادة تفكيكه وتركيبه بلغة مُعاصرة.
وهنا تحديدًا السؤال المهم حول تووليت: هل نحن أمام مجرد اقتباس من أغاني قديمة، أم أمام طريقة جديدة لإعادة تدوير النوستالجيا؟
عبد الوهاب والإقتباس .. هل يعيد التاريخ نفسه؟
في تاريخ الموسيقى العربية كان هذا الجدل حاضرًا من زمن .. ومع من؟ موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب!
هذه ليست محاولة ساذجة للربط بين تووليت و عبد الوهاب، لكن تعود إلى سؤال ليس جديدًا في الموسيقى العربية، وربما يكون تاريخها نفسه مليئًا بأمثلة تخرج بعلاقة الفنان وما سبقه من ثنائية " الأصلي والمسروق".
في حواره الشهير مع الإعلامية ليلى رستم، لم يصف عبد الوهاب تعامله مع الاقتباس كجريمة فنية، بل جزء من تأثر الفنان بما يسمعه.
هذه النقطة تبدو شديدة الأهمية عند محاولة قراءة تجربة تووليت باعتباره فنانًا يجعل الماضي جزءًا من هويته الفنية!
أغنية لطيفة .. إعادة تشكيل أم اقتباس؟
مع أغنية "في الكام يوم اللي فاتوا"، ظهر هذا الاشتباك بصورة واضحة، اقتبس تووليت جملة لحنية كاملة من لحن وليد سعد. تصرف لم نفهم أبعاده الكاملة من تووليت بعد، فربما لم تُسعفه خلفيته "القانونية" لفهم عدد "الموازير" والنغمات التي تفصل بين التأثر والنقل، أو لربما كان مقصودًا ضمن محاولة لإيصال رسالة فنية أوسع. فتووليت لم يلتقط اللحن ويضعه في نفس سياقه الموسيقي، بل التقط جُملة مألوفة، ثم وضعها في سياق موسيقي مختلف تمامًا .
وهنا تكمن لعبة تووليت الأساسية في أن يجعلك تتعرف على الماضي من دون أن يعيدك له بالكامل، ويُقدم للجيل الجديد الذي لا يعرف هذا الماضي، شيئًا تم تجربة نجاحه سابقًا.
الاقتباس من حمود ناصر وهشام عباس
في أغنية "نانو" مثلًا ، بدت اللعبة أكثر وضوحًا. لحن الجُملة الأولى في الأغنية يعيدنا إلى أغنية "في بالي" للمطرب الكويتي الراحل حمود ناصر، بينما يمر في بنائها بالإيقاع الراقص في أغنية "فينه" لهشام عباس والتي صدرت بداية الألفية.
الفكرة ليست أنه يقتبس أغنية أو أكثر ثم يعيد تقديمها كما هي، بل يتعامل مع "الجنرات" السابقة كقاموس موسيقي مفتوح، يلتقط منه الإيقاع تارة، وروح اللحن تارة أخرى، أو طريقة بناء الأغنية في مرة ثالثة.
لهذا يبدو مشروعه أقرب إلى تفكيك ذاكرة البوب الحديث أكثر من استحضاره.
مقسوم "حميد" .. الإيقاع العائد من التسعينيات
ربما لا يحتاج المستمع لخبرة موسيقية حتى يلاحظ الحضور الواضح للمقسوم التسعيناتي في عدد من أغاني تووليت.
في "حبيبي ليه"، على سبيل المثال، تبدو أصوات الدرامز وطريقة بناء الإيقاع وكأنها تستدعي بوضوح البوب المصري في أواخر الثمانينيات.
وفي "الحب جاني"، يقترب أكثر من مدرسة حميد الشاعري التي مثلت ثورة في شكل الأغنية المصرية .. مقسوم أسرع، سينثسایزر أقوى، وأصوات كورال نسائية ورجالية ترد على المُغني بخفة.
والمُدهش أن نفس الطريقة التي نجحت مع شباب التسعينيات، عادت لتنجح مع جيل زد بما يُمثل إنصافًا واضحًا لهذه الموسيقى بعد عقود من الزمن.
من اللاتين بوب إلى إيقاعات النوبة
نموذج آخر على فلسفة تووليت في أغنية "حسيني"، حيث يتحرك نحو ذاكرة أخرى من ذاكرة البوب العربي، تحديدًا الموجة اللاتينية التي كانت حاضرة بقوة في أواخر التسعينيات.
مرة أخرى، لا تبدو المسألة في نقل أغنية بعينها، وإنما في استعادة "جنرة" قائمة على الجيتارات الإسبانية والإيقاعات اللاتينية .
حدث هذا إيضًا في أغنية "سنين"، باستدعاء لون موسيقي مرتبط بالهوية المصرية.
حضور الدفوف النوبية التي ارتبطت بتجربة محمد منير، ومزجها بالهارموني الإلكتروني.. حتى على مستوى النص فالكلمات تتناول فكرة الاغتراب الداخلي وأثر الزمن، وهي نفس الموضوعات التي غناها منير في تجاربه الأولى.
جريئة أوي .. أهلا بكم في الألفية
في "جريئة أوي "، ينتقل تووليت إلى منطقة أخرى من أرشيف البوب المصري، تلك اللحظة التي بدأ فيها الـ آر-أند-بي يجد لنفسه مساحة في تجارب عمرو دياب وسميرة سعيد وآخرون.
التفاصيل هنا تبدو أقل صراحة، وأكثر اعتمادًا على الإيقاع، وخطوط الوتريات المُحكمة والتي كانت جزءًا من قاموس أغاني تلك المرحلة.
هنا يبدو التأثر بعيدًا تمامًا عن الاقتباس، لأنه لا يتعلق بلحن يمكن أن تشير إليه وإنما بطريقة صناعة الأغنية.
تووليت .. الرجل الذي يعيد تعريف الماضي
نجاح تووليت لم يأت فقط لأنه اكتشف أن الجمهور يحب أغاني التسعينيات والألفية، هو يفعل شيئًا أكثر عُمقًا باستدعاء تفاصيل من صناعة الأغنية القديمة كأساس لبناء مُنتجه الموسيقي، ثم يضيف إليه مفرداته وُلغته، وطريقة أداء تنتمي إلى جيل جديد، وصورة بصرية تتكامل مع شخصية الفنان الغامض.
لذلك تسلك الأغنية طريقين نحو نوعين من المستمعين .. تلمس ذاكرة الجيل الأكبر موسيقيًا، وتخاطب الجيل الأصغر لغويًا وهنا تتحول التسعينيات والألفية من "ماضي" إلى محتوى فني يخاطب جيلين مُختلفين.






