في القاهرة صيف 1988، وفي بلد غارق في أزماته الاقتصادية، ومحاولات للخروج من شرنقة الماضي برموزه السياسية وبالطبع الثقافية والفنية، بين كل ذلك انطلق المخاض من رحم الأغنية المصرية مطلع الثمانينيات، معُلنًا عن ميلاد تيار جديد يقوده محمد منير بألبومه الأيقوني "شبابيك".
مع "شبابيك" 1981 بدأت الساحة الموسيقية تلمس بوضوح مصطلح "الموسيقى العرقية" من خلال تجارب سعت لتقديم الإرث الغنائي الإقليمي ومزجه بالآلات الغربية الحديثة.
رغم كل ذلك، ورغم المقاومة الشديدة من التيار الكلاسيكي، إلا أن القفزة الكبرى والميلاد الحقيقي لهذا التيار، جاءت سنة 1988 مع طرح "لولاكي" الألبوم، الذي أعاد صياغة وتشكيل صناعة الموسيقى في الشرق الأوسط وحطم الأرقام القياسية للمبيعات، لم يكن نتاج تخطيط استراتيجي طويل الأمد في أروقة شركات الإنتاج، بل وُلد من رحم الصدفة البحتة، وصُنع كاملاً في غضون أيام فقط.
أسطورة من قلب الأزمات
قبلها بسنوات كان علي حميدة مشروع مطرب يجاهد للبحث عن مكان في الساحة، وسط الصعاب قرر السفر إلى الكويت للعمل كأستاذ في معهد الموسيقى، إلا أن الرحلة لم تستمر طويلًا تحت إلحاح حلم النجومية الذي ظل يناديه من القاهرة.
عقب عودته للقاهرة تعاقد حميدة مع المنتج هاشم يوسف صاحب شركة "الشرق"، وظلت محاولات إنتاج الألبوم الأول متذبذبة حتى قارب التعاقد على الإنتهاء، في الوقت الذي توطدت علاقة حميدة بحميد الشاعري، وكلاهما قادمان من خلفية ثقافية "بدوية".
وخوفًا من تفاقم الأزمات القانونية اقتنع المُنتج هاشم يوسف بضرورة إنتاج ألبوم لعلي حميدة على سبيل التجربة ودون التورط في خسائر أكبر، وربما يلعب القدر لعبته وتنجح الفكرة.
اتفق هاشم يوسف مع حميد الشاعري أن يكون مشرفًا فنيًا على الألبوم ويتولى توزيعه في أسرع وقت ممكن: "اصنع لي شريطاً في أسرع وقت وسنتحمل النتيجة".
لم يكن هذا الطلب عائقاً أمام الشاعري، بل كان بمثابة المختبر المثالي لتطبيق أفكاره الموسيقية الثورية التي جوبهت بالرفض من الحرس القديم.
من الأغنية وطنية إلى المقسوم الراقص
في رحلة البحث عن نصوص وألحان تناسب وتيرة العمل المتسارعة، وقع الاختيار على أغنية عاطفية ذات طابع وطني كانت تحمل اسم "لولاكي يا مصر ما غنيت"، من كلمات الشاعر عزت الجندي وألحان سامي الحفناوي، غير أن حميد الشاعري رأى في هذا اللحن المغمور نواة لـ "هيت السنة".
أقنع حميد صناع الأغنية بتعديل الكلمات لتتحول من الإطار الوطني المباشر إلى إطار عاطفي وإنساني أوسع، وبدأ في نسج خلطته الموسيقية الفريدة. افتتح الشاعري الأغنية بهتاف جماعي حماسي وبسيط "لولاكي لولا لولا لولا"، وهو تكنيك يهدف إلى جذب انتباه المستمع وجعل الأغنية قابلة للترديد الجماعي.
بعد هذا الافتتاح الصادم، دفع الشاعري بإيقاعه المبتكر "المقسوم الديجيتال"، المدعوم بصوت الصفقات الشهيرة التي أصبحت علامته التجارية. الأهم من ذلك كان الاستخدام المكثف لجهاز "السنثايزر" لتوليد أصوات إلكترونية لمحاكاة آلات فولكلورية بطريقة رقمية، مما أحدث ثورة حقيقية في مفهوم التوزيع الموسيقي العربي.
"ألبوم لولاكي" تطوير التراث ببصمة الشاعري
لكي نفهم العلاقة بين ألبوم "لولاكي" والموسيقى العرقية، يجب التوقف عند طبيعة الهوية الفنية لعلي حميدة، فهو ابن بيئة مطروح البدوية، بملامحه المختلفة، ولهجته الفريدة، وشحنته الثقافية الصحراوية المرتبطة بالفولكلور المغاربي. تساءل حميد الشاعري: ما المانع من تقديم هذا الإرث في الأغنية السائدة ولكن عبر قوالب إلكترونية راقصة؟
لم يكتفِ حميد بالأغنية الرئيسية، بل صاغ ألبوماً كاملاً يتكون من ثماني أغنيات بُنيت موسيقيًا على الإيقاع البدوي الليبي وتراث المغرب العربي.
برز هذا بوضوح في أغنية مثل "بنت بلادي زينة" التي غناها من قبل المطرب المغربي محمد الإدريسي، فعدلوا بعضًا من كلماتها لتصبح أقرب للهجة البدوية، وصيغت بشكل موسيقي متطور .
وتجلت عبقرية التطوير في جعل الآلات الحديثة تحاكي الآلات البدوية التقليدية مثل "المقرونة" أو "الشبابة" و"الدف البدوية". حتى غناء علي حميدة كان صريحاً باللهجة البدوية، في أغاني مثل "بيكي يا"، "وينا"، و"يا موجا" حيث أخذ حميد الألحان التراثية المستوحاة من الفولكلور البدوي، وقام بتركيبها على إيقاعات إلكترونية.
زلزال الكاسيت .. الجميع في خدمة "لولاكي"
طُرح ألبوم "لولاكي" في الأسواق دون حملات إعلانية ضخمة، لكن ما حدث فور نزوله شل حركة سوق الكاسيت بالكامل. نفدت الطبعة الأولى في اليوم الأول لطرحه.
وجد المنتج هاشم يوسف نفسه أمام معضلة غير متوقعة، الطلب هائل والمخزون صفر، والأدهى من ذلك أنه لم يكن يمتلك المواد الخام لانتاج الطبعات التالية لتلبية طلبات الموزعين الملحة .
في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الصناعة، توجه هاشم يوسف إلى كبرى شركات الإنتاج المنافسة في مصر مثل "سونار"، "هاي كواليتي"، و"صوت الدلتا"، عارضاً عليهم صيغة تحالف استثنائية: "اطبعوا الشريط في مطابعكم، ولنقتسم الأرباح".
وفي تلك اللحظة التاريخية، أوقفت كل شركات الكاسيت الكبرى في مصر إنتاج ألبومات نجومها الكبار، وفرغت خطوط إنتاجها بالكامل لطباعة ألبوم "لولاكي". تأجلت ألبومات كبار المطربين لشهور طويلة لأن مخازن الخام تم احتكارها لخدمة هذا الإعصار الغنائي. الأرقام الرسمية الموثقة تثبت أن الألبوم باع 6 ملايين نسخة، وهو رقم إعجازي كان يوازي كامل حجم خام الكاسيت الذي تستورده مصر ككل في ذلك الوقت، فضلاً عن ملايين النسخ "المزورة" التي انتشرت في كافة المحافظات.
لعنة النجاح الأول وسجن الأغنية الواحدة
ظل حميدة لعامين كاملين مُتصدرًا سوق الحفلات في مصر والوطن العربي، كان يحيي في الليلة الواحدة خمس وست حفلات بين الملاهي الليلية، والفنادق، وحفلات الزفاف. الجميع يريدون صاحب "لولاكي" حتى لو غناها هي فقط طوال الحفل!
وعلى الرغم من هذا النجاح الأسطوري، إلا أن الإعصار حمل في طياته رياح النهاية الفنية لعلي حميدة.
عندما طرح ألبومه الثاني "كوني لي"، قوبل بسقف توقعات أكبر، الجمهور لم يكن يبحث عن علي حميدة كفنان، بل بحث عن صدمة جديدة لـ "لولاكي" بعنفوانها الذي لم يتكرر، صحيح أن الألبوم نجح تجاريًا بقوة دفع لولاكي إلا أنه لم يحقق نفس الأرقام السابقة.
تحول النجاح الأول إلى عقدة، وحاول علي حميدة استثمار هذه الحالة سينمائياً في عام 1993 عبر فيلم حمل اسم "لولاكي" من بطولة معالي زايد وإخراج حسن الصيفي، غير أن الفيلم سقط تجارياً وفنياً، ليؤكد الحقيقة المرة أن علي حميدة عاش أسيراً لظاهرة "مطرب الأغنية الواحدة".






