في أيار/مايو 1983، دخلت أوركسترا سن را استوديو "النهار" في مصر الجديدة بالقاهرة. كان في انتظارها عازف مصري ألّف المقطوعتين اللتين جاءت الفرقة لتسجيلهما، وسيشاركها العزف على الكونغا. اسمه صلاح رجب، الرئيس السابق لقسم الموسيقى العسكرية في الجيش المصري، وعازف كرس سنوات من حياته لبناء مشهد للجاز في القاهرة. أما ضيفه، فهو سن را، أحد أبرز الموسيقيين الأمريكيين الأفارقة الذين أعادوا تخيل الجاز.
لم تكن هذه أول زيارة لـ سن را إلى القاهرة، فقد سبقتها زيارة عام 1971. كان رجب يستكشف إمكانات الجاز في سياق مصري، فيما كان سن را ينطلق من تقاليد الموسيقى الأفريقية-الأمريكية ليبني عالمًا موسيقيًا خاصًا، تتقاطع فيه مصر القديمة مع الفضاء والخيال العلمي.
صلاح رجب: الجيش والجاز
وُلد صلاح رجب عام 1935 في حدائق القبة بالقاهرة، وبعمر التاسعة عشر استمع للمرة الأولى إلى الجاز عبر إذاعة ناطقة بالإنجليزية، حين بثّت موسيقى ليونيل هامبتون. درس لاحقًا مع عثمان كريم، عازف ساكسفون أمريكي استقر في القاهرة، وشكل عام 1963 فرقة جاز خماسية.
ومع نهاية الستينيات، تولى رئاسة قسم الموسيقى العسكرية في الجيش المصري. أنشأ في إحدى القواعد العسكرية بمصر الجديدة ما عُرف باسم "بيت الجاز"، بمساعدة هارتموت غيركن من معهد غوته، وعازف الباس التشيكي إدوارد فيزفاري. وفي شباط/فبراير 1969، أُقيمت الحفلة الأولى في قاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأميركية.
مزج رجب في أعماله الجاز بالفولكلور المصري، في مقطوعات مثل “Egypt Strut” تحول اللحن الشعبي إلى بلوز راقص، وفي “Ramadan in Space Time” استوحى الإيقاع من طبلة المسحراتي.
سَن را: الجاز في رحلة إلى زحل
نشأ الجاز في المجتمعات الأفريقية في الولايات المتحدة، وجاء سن را ليأخذه إلى مساحات أخرى، موسيقيًا وفكريًا وبصريًا.
وُلد هيرمان بول بلاونت، المعروف باسم سن را، في 22 أيار/مايو 1914 في برمنغهام بولاية ألاباما، واستقر في شيكاغو أواخر الأربعينيات. عام 1952، غيّر اسمه قانونيًا إلى "لو سوني آر را"، مستلهمًا اسم "رع"، إله الشمس عند المصريين القدماء. وفي منتصف الخمسينيات، أسّس أوركسترا "أوركسترا".
ظهرت مصر القديمة في أزياء فرقته وفي طريقة تقديمه لنفسه، وجمع عالمه بين رموزها والخيال الفضائي، حتى إنه ادّعى أنه وُلد على كوكب زحل، بحسب "بريتانيكا". كما أنه يُعدّ من رواد الـ afrofuturism وrv أصدر أكثر من مئة ألبوم طوال مسيرته.
في حزيران/يونيو 1971، أرسل هارتموت غيركن من معهد غوته دعوة من القاهرة إلى سن را. وبعد أشهر، وصل الأخير إلى العاصمة المصرية في 7 كانون الأول/ديسمبر 1971، برفقة 21 من أفراد فرقته.
وبحسب المعلومات، فقد صادرت الجمارك جميع آلات الفرقة باستثناء سينثسايزر سن را. فأعارهم رجب آلات من الجيش المصري، وحجز لهم حفلة في "مسرح البالون".
كما تقول المعلومات أن رجب شاهد الأوركسترا خلال حفل أُقيم في منزل غيركن. أما التعاون الموسيقي المباشر بينهما فاحتاج إلى اثنتي عشرة سنة أخرى.
1983: استوديو "النهار"
عادت الأوركسترا إلى القاهرة في ربيع 1983 بعد جولة أوروبية، وقدّمت حفلات في نيسان/أبريل في نادي "إل كابو / إل بوكو". وفي أيار/مايو سجّلت في استوديو "النهار" مقطوعتي “Egypt Strut” و"Dawn" من تأليف رجب، الذي شارك على الكونغا.
صدرت التسجيلات عام 1983 عن الشركة اليونانية "براكسيس"، التي أدارها كوستاس يانولوبولوس. ضمّ الوجه الأول تسجيلات الأوركسترا مع رجب، وخُصص الوجه الثاني لرجب مع "أوركسترا القاهرة للجاز": “Ramadan” و"Oriental Mood"، اللتان صدرتا أول مرة في ألبوم “Egypt Strut” عام 1973، إلى جانب “A Farewell Theme” التي ظهرت هنا للمرة الأولى. كتبها رجب بعد وفاة جمال عبد الناصر عام 1970، وعُزفت في جنازته.
وفي 8 نيسان/أبريل 2022، أعادت “Strut” إصدار الألبوم، في أول إعادة إصدار رسمية له. ولم ينتهِ التعاون عند الاستوديو؛ ففي عام 1984، خلال رحلة سن را الأخيرة إلى مصر، عزف رجب على الدرامز مع الأوركسترا في "إل كابو".
جمع الألبوم مسارين متعاكسين: سن را ينظر إلى مصر القديمة كمصدر للهوية والخيال، ورجب ينظر من القاهرة إلى الجاز الأمريكي ويعيد صياغته بإيقاعات بلاده. وعلى الأسطوانة نفسها، يتحاور الاثنان من موقعين مختلفين.
ما الذي بقي من هذا اللقاء؟
رحل صلاح رجب في تموز/يوليو 2008، عن عمر 73 عامًا، بعدما ترك وراءه تجربة ساهمت في تأسيس الجاز المصري، وفرقة "أوركسترا القاهرة للجاز" التي فتحت المجال أمام أجيال من الموسيقيين. أما سن را، فتوفي في 30 أيار/مايو 1993، لكن أوركستراه واصلت نشاطها بعد رحيله، تحت قيادة عازف الساكسفون مارشال ألين.
بقيت الأسطوانة التي جمعتهما واحدة من الوثائق النادرة التي تحفظ هذا التقاطع بين تجربتين موسيقيتين. ففيها، يلتقي الجاز الأفريقي-الأمريكي، الذي حمله سن را معه إلى القاهرة، بتجربة رجب في استيعاب هذه الموسيقى وإعادة صياغتها من خلال الإيقاعات والفولكلور المصري. كما توثّق التسجيلات جانبًا من تاريخ الجاز في القاهرة، وتعيد تسليط الضوء على موسيقي مصري ساهم في بناء مشهده خلال الستينيات والسبعينيات.
وفي أيلول/سبتمبر 2024، ظهر إصدار رقمي آخر من الألبوم بإشراف المنتج ليو فيغين، ضم سبع مقطوعات بدلًا من خمس، من بينها تسجيلات إضافية للأوركسترا وفرق الجاز المصرية، مثل "Watusa" و"Music for Angela Davis".






