من يتابع حفلات محمد حماقي جيدًا، سيجد دائمًا لحظة تتكرر على المسرح مع أغنيات بعينها، لا يحتاج فيها لبذل مجهود كبير لاستدعاء تفاعل الجمهور، تكفي الثواني الأولى من المقدمة الموسيقية حتى يتولى الجمهور استكمال الأغنية بصوت واحد، كما هو الحال في أغنية "أحلى حاجة فيكي" مثلا.
هذه العلاقة بين بناء الأغنية و تفاعل الجمهور ربما تكون أحد مفاتيح تجربة حماقي، الذي لم يكتف بصناعة أغنيات ناجحة، ولكنه نجح في تقديم كتالوج غنائي يعيش ويتجدد على المسرح.
الوصول إلى هذه المعادلة ليس صدفة، فخلف تجربة حماقي توجد حكاية تكوين موسيقي بدأت من الكورال، ومرت بمدرسة أحد أهم الموزعين الموسيقيين في مصر، قبل أن يتحول إلى مطرب يمتلك هوية تعتمد على اللحن السلس والتوزيع المتطور، ويعرف كيف يحول الاثنين إلى أغنيات يشاركه الجمهور غنائها.
طارق مدكور وصناعة المشروع
في منتصف التسعينيات، كان محمد حماقي طالبًا بكلية التربية الموسيقية، ومغني "كورال" بفرقة مصطفى قمر، في لحظة كان يبحث فيها عن طريق داخل صناعة الموسيقى.
حكى لي الموزع الكبير طارق مدكور أنه التقى بحماقي عندما زاره في الاستوديو الخاص به مع صديق مشترك، فوجد في حماقي خامة تصلح لصناعة مشروع غنائي حقيقي ومختلف.
بدأ مدكور في تقديم حماقي من خلال شرائط الكوكتيل المجمعة، قبل أن يشارك في الغناء ضمن كورال ألبوم أغنيات فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية"، ثم "همام في أمستردام"، والأخير قدم فيه أغنية بصوته اسمها "سلطان جمالك".
هذه الخلفية تفسر جانبًا مهمًا من هوية حماقي الفنية، فقد بدأ مشواره المنفرد في عباءة موزع موسيقي وليس مُنتجًا ينظر للمغني باعتباره صوت سيتحول لمشروع نجم جماهيري، وربما لهذا السبب ظل البناء الموسيقي للأغنية حاضرًا بقوة في اختياراته، حتى بعد أن شق طريقه بعيدًا عن مدكور في ألبوم "خلص الكلام".
عندما صدر ألبومه الأول "خلينا نعيش" عام 2003، كان هناك مشروع موسيقي واضح تقف خلفه بصمة طارق مدكور، ويمكن ملاحظة ذلك في أغنيات مثل "آن الأون" و "بتضحك" حيث تداخلت الجمل اللحنية مع قوالب اللاتين بوب التي تميز بها مدكور، لتقديم صوت شاب يمتلك شخصية مختلفة عن الصورة السائدة للمطرب الرومانسي.
"خلص الكلام" إثبات الهوية
كان التحدي الأكبر أمام حماقي أن يثبت أن ما حققه في ألبومه الأول ليس مجرد نجاح لمدرسة طارق مدكور، وأن لديه شخصية موسيقية قادرة على الاستمرار بعيدًا عن مُكتشفه.
في حواره مع "بيلبورد عربية"، وصف حماقي العمل على ألبوم "خلص الكلام" عام 2006 بأنه كان بمثابة مسألة وجود لمستقبله الفني، بعدما فوجيء أنه مطالب بتقديم نفسه من جديد دون طارق مدكور، ولكن الحقيقة أن ما تعلمه من الأخير امتد أثره للتجربة وما تلاها ليكون دستورًا في اختياراته.
لعل "أحلى حاجة فيكي" كانت العلامة الأبرز في هذه المرحلة، ليس فقط باعتبارها واحدة من أنجح "هيتاته" وأكثرها حضورًا في حفلاته، ولكن لأنها كشفت مبكرًا عن طريقة حماقي في صناعة الهيت.
الأغنية بدأت من توزيع موسيقي وضعه تميم، أعجب حماقي وطلب من عمرو مصطفى صياغة لحن يناسبه، قبل أن يكتب أيمن بهجت قمر الكلمات، وكانت النتيجة أغنية تعتمد على جروف موسيقي إلكتروني راقص ولحن يسهل التقاطه وحفظه، ليصبح هذا التكوين واحدًا من أكثر النماذج وضوحًا لفلسفة حماقي الموسيقية.
الملفت أنه في نفس الألبوم قدم هيتًا آخر هو "طمنوني عنيك" التي بُنيت بنفس الطريقة، البناء الموسيقي أولًا، وبعدها يأتي اللحن ثم الكلمات.
اللحن أم التوزيع؟
الانطلاقة في "خلص الكلام" فتحت بابًا كبيرًا لتعاونات مع الملحن عمرو مصطفى أحد أهم صُناع الهيتات في الأغنية المصرية الحديثة، تعاون تجاوز الـ 35 أغنية على مدار 23 عامًا، امتدت عبر 10 ألبومات، وهي شراكة تكشف جانبًا من تطور مشروعه الموسيقي.
عمرو مصطفى أحد أبرز الملحنين الذين يجيدون التلحين على تيمات موسيقية جاهزة، أحضر له الإيقاع ودعه يُؤلف لك عشرات الألحان السريعة عليه، وهو ما حدث تقريبًا في أغلب هيتاته مع حماقي، بداية من "أحلى حاجة فيكي" وصولًا إلى "سمعوني".
لكن أهمية هذه التجربة لا تكمن في عدد الأغنيات فقط، وإنما في تنوع القوالب الموسيقية التي قدمتها. ففي "نفسي أبقى جنبه" بدأت صناعة الأغنية بتوزيع وإيقاع صاغهما توما، قبل أن يضع عمرو مصطفى اللحن، هنا جاء الجروف القوي والأصوات الإلكترونية والوتريات ليمنحوا الأغنية طاقة مختلفة، ويحولوا لحنها إلى واحدة من أكثر أغنيات حماقي حضورًا على المسرح في حالة الغناء الجماعي.
وفي "أجمل يوم" انتقل حماقي إلى مساحة احتفالية تعتمد على روح الفانك ولمسات من اليورو دانس في توزيع تميم، بينما قدم عمرو مصطفى لحنًا متدفقًا وسريع الحفظ.
وفي نفس الألبوم قدم حماقي أغنية "ما بلاش" التي تمثل دائمًا واحدة من أهم اللحظات في حفلاته بمجرد أن تبدأ بكوردات الجيتار الغربي مع صولوا الهارمونيكا الذي يصطحب المستمع إلى أجواء أفلام "الويسترن" الأمريكية، ليبدأ بعدها الجمهور الغناء على الفور مناديا : مابلاش تغيب عنا تاني.
تاريخ صلاحية الأغنية
ربما لا يوجد مكان أصدق من المسرح لاختبار مدى نجاح الأغنية وقدرتها على الاستمرار خارج ستوديوهات الصوت، حتى النجاح عبر منصات الاستماع يعكس انتشارًا مؤقتًا، لكن الاستمرارية الحقيقية تأتي من المسرح ومع الجمهور كلما مر الزمن.
هنا تظهر قوة هيتات حماقي ، فأغنية مثل "أحلى حاجة فيكي" لم تعد مجرد هيت ناجح في مسيرته، وإنما لحظة ينتظرها الجمهور في الحفلات، والأمر نفسه ينطبق على "نفسي أبقى جنبه" و"أجمل يوم"، وغيرها من الأعمال التي تمتلك مقدمات موسيقية يسهل التعرف عليها.
ولا تقتصر هذه القدرة على الأغنيات الراقصة، فنجاح "ما بلاش" و"م البداية" يكشف أن الأغنية الدرامية تستطيع أن تتحول إلى حالة جماعية، عندما تنجح في الجمع بين صدق التعبير وسهولة تذكر اللحن.
بعد سنوات طويلة من وقوفه في الكورال خلف أصوات أخرى، أصبح محمد حماقي مطربًا يمتلك جمهورًا يحفظ مقدمات أغنياته، ويعرف كيف يكمل الأغنية قبل أن ينطق بها، في اختبار آخر حقيقي لتاريخ صلاحية أغانيه بصوت جمهوره.






