عندما غنت شيرين عبد الوهاب "آه ياليل" في ألبوم "فري ميكس 3" ، الأغنية التي نقلتها من مصاف الأصوات الواعدة إلى النجومية اللامعة، بدا أن هناك شيئًا مختلفًا في علاقة صوتها بالشجن. لم تقدمه كحالة في أغنية، بل شيء تمنحه صوتها بالكامل، إحساس حاضر في لحظات الإنكسار، والتماسك، الضعف ، والقوة، وبين الهدوء والغضب.
في "آه ياليل" كان الوجع صادرًا من فتاة قوية ترفض الإنكسار، لا تعترف به فتقول : "أنا بيك من غيرك مش فارقة قدامك أهو لسة بغني"، كانت تقول أن الحب انتهى، لكن صاحبة القصة قادرة على المواجهة.
في نفس الألبوم قدمت أغنية "كنت تسيبني"، حالة أخرى من الوجع، ولكن بصوت امرأة ضعيفة، تطلب من حبيبها العودة إلى أحضانه، متخلية عن القوة التي ظهرت بها في "آه ياليل"، مانحة صوتها مساحة أنثوية أكبر، تحمل مزيجًا من الضعف والرقة والدلال.
لم يكن اختيارها لهذا النوع من الأغاني مجرد مصادفة، وأغلب الظن أنها الشخصية الفنية التي بناها المُنتج نصر محروس لها، ففي ألبومها الأول "جرح تاني"، الصادر عام 2003، حمل في عنوانه نفسه مفتاحًا لهذه الشخصية الغنائية.
لكن في "جرح تاني" بدا الوجع أكثر التصاقًا بصوت شيرين وهي تقول: "الله يعوض على الأيام وعلى الليالي"، وظهر في أغاني مثل "كنت عارفة" عندما تتكلم عن أنانية الحبيب الذي تخلى عنها وهي تقول : "كنت عارفة إنك هتبعد .. كنت عارفة إنك أناني".
للوجع ألوان متعددة دائمًا
بمرور السنوات والأغاني اتسع الوجع عندها، فلم يعد شكلًا واحدًا من أشكال الانفصال، تلون بين الحنين، والشك، والخذلان، والوحدة، والخوف، والاشتياق، والإحساس بأن القلب لا يستطيع أن يتقبل ما حدث له.
وهنا تظهر قيمة أغنية "مشاعر" التي جاءت عام 2013 كتتر مسلسل "حكاية حياة" من كلمات أحمد مرزوق، ولحن محمد رحيم، وتوزيع أحمد إبراهيم، وحققت الأغنية نجاحًا كبيرًا منذ طرحها.
"مشاعر" لم تكن مجرد أغنية حزينة، بل كانت أقرب إلى تشريح للحالات العاطفية المتعددة، وكأن شيرين لم تعد تغني عن حدث مرت به، بل عن الآثار التي تتركها التجارب داخل الإنسان.
هذه واحدة من مناطق قوة شيرين عبدالوهاب كصوت قادر على تحويل الجملة العاطفية البسيطة إلى حالة نفسية معقدة بأدائها شديد الصدق والتأثر.
ثم جاءت "كدة ياقلبي" في مسلسل "طريقي" عام 2015 لتذهب بهذه العلاقة مع الوجع العاطفي إلى مستوى أكثر عُمقًا، حين استخدم المخرج محمد شاكر خضير الأغنية كخلفية موسيقية ودرامية لمشهد موت شقيق البطلة .
لكن أهمية "كدة ياقلبي" كلمات أمير طعيمة ولحن خالد عز لم تكن في كلماتها وحدها، فقد أصبحت لاحقًا واحدة من الأغنيات العالقة في ذاكرة الجمهور مع شيرين على المسرح. بكاؤها أثناء غنائها في حفلات مختلفة جعل الجمهور يسمعها وكأنها تجربة حقيقية عاشتها شيرين.
الخلط بين الفنان وحياته
أغلب الظن أن هذه الأغنية تحديدًا كانت سببًا في الخلط الجماهيري الواضح بين شيرين كفنانة، وشيرين كإنسانة تمتلك حياة خاصة، وهو ما جعل الجمهور لا يتعامل مع أغانيها كمنتج فني، بل يبحث عن إجابات لأسئلة مثل: من تقصد بهذا المقطع؟ وهل هذه الكلمة مقصود بها العتاب أم النسيان؟
حكم الجميع على شيرين أن تكون أغانيها اعترافات شخصية، وهي لم تستوعب خطورة ذلك، ولم تواجهه، فأصبح الخروج من هذه الدائرة التي حاصرتها صعبًا، وكل محاولة للتغيير تُهاجم باعتبارها شيئًا غريبًا على شيرين كما حدث في أغنية "بحرية" مثلًا.
أعود إلى قاموس شيرين مع الوجع لأتوقف أمام أغنية "الكدابين" عام 2018، مثلًا، عندما يتحول الخذلان إلى مواجهة بل ووصف للآخر بالكذب .
الأغنية من كلمات أيمن بهجت قمر وألحان خالد عز وتوزيع توما، وحققت منذ طرحها انتشارًا كبيرًا، المُلفت هنا أن شيرين لم تغن لشخص بل وسعت التجربة لتشمل مجتمعًا وشريحة علاقات كاملة على كافة المستويات حين تقول : "في الزمن ده الكدابين اتمكنوا وكتروا" ، حتى لو عادت في مقاطع من الأغنية لتوجه خطابها لشخص واحد.
ربما لهذا تبدو شيرين في أغاني الوجع أقرب إلى صوت الناس منها إلى نجمة ، هي تغني وكأنها تقول للناس أنها تعرف ما يشعرون به، وبالتالي تتحول أغانيها من اعترافات شخصية إلى حالة بوح جماعية !
هذه المساحة هي التي تجعل أغاني شيرين تعيش بعد نجاحها الأول. لأن المستمع لا يتذكر فقط اللحن أو الكلمات، وإنما يتذكر اللحظة التي استخدم فيها الأغنية ليقول شيئًا لم يستطع قوله بنفسه.
لماذا تستعيد شيرين صورة الوجع؟
بعد سنوات من الجدل عن حياة شيرين الشخصية، والعثرات التي يعرفها القاصي قبل الداني، بدت أغنية "الحضن شوك" التي أصدرتها في أبريل الماضي، عودة لأصل المشروع، لكن من زاوية أكثر قسوة. صحيح أن صوتها بدا متأثرًا ومنهكًا، ولكنه كان مناسبًا أيضًا لشخص يغني عن افتقاده للامان حتى في أقرب وأدفأ المساحات وهي "الحضن".
حتى عندما عادت في "خاين" التي صدرت منذ أيام، من كلمات أيمن بهجت قمر ولحن وليد سعد وتوزيع أحمد ابراهيم، بدت وكأنها تسترجع نسخها القديمة من الوجع، تغني عن الخيانة أقرب الموضوعات إلى يديها على رف الأرشيف الفني.
كل هذا لا يعني أن شيرين غنت طوال مسيرتها عن الحزن فقط، أو أن قيمتها الفنية تختصر في هذه الأغاني، بالعكس فإن واحدة من نقاط قوتها أنها تستطيع الانتقال بين المساحات المختلفة، لكن أغنيات الوجع هي التي صنعت صورتها الراسخة في الذاكرة.
إذا كان الجمهور ساهم في صناعة صورة شيرين كمغنية مجروحة، كلما وجد جزءًا من أغنية يشبه شيئًا في حياتها أعاد تفسيره، فهذا لا ينفي أنها واحدة من أكثر الأصوات صدقًا في التعبير عن الإنكسار والوجع، لدرجة جعلت المسافة بين فنها وشخصيتها أقرب إلى مساحة ضبابية
وربما لهذا السبب، كلما عادت شيرين إلى الغناء بعد غياب، لا ينتظر الجمهور منها أغنية جديدة فقط، بل ينتظر ما فعله الوجع في صوتها.. لتُقدم لنا طيفًا جديدًا من المشاعر.






