امتدت بصمة الموسيقار الراحل هاني شنودة عبر أجيال متعاقبة، بعدما أسهم في إعادة تشكيل تجارب غنائية صنعت علامات فارقة في تاريخ الأغنية العربية، من نجاة الصغيرة، مرورًا بمحمد منير وعمرو دياب، وصولًا إلى أحدث مشروعاته مع الرابر زياد ظاظا، ليترك إرثًا يتجاوز حدود الألحان والتوزيعات، بعدما تحول إلى شريك أساسي في ولادة تجارب موسيقية وغنائية.
هاني شنودة يمنح نجاة الصغيرة وجهًا جديدًا
شكل تعاون هاني شنودة مع نجاة الصغيرة نقطة تحول في مشوارها الفني، بعدما انتقلت من القوالب التقليدية إلى صياغة موسيقية أكثر حداثة اعتمدت على الهارموني والتوزيع المعاصر، مع احتفاظ صوتها بطابعه الرومانسي المعروف.
خرج من هذا التعاون عدد من أبرز أعمالها، بينها "أنا بعشق البحر" و"بحلم معاك"، التي قدمت عام 1979 بكلمات عبدالرحيم منصور.
وراء هذه التجربة حكايات لم تصل تفاصيلها للجمهور إلا متأخرة، إذ كشف شنودة في أكثر من مناسبة تلفزيونية عن تسجيل أغنية بعنوان "عطشان أنا يا حنينة" من كلمات سيد حجاب، قبل أن يختفي تسجيلها إثر سرقته، لتظل خارج أرشيف نجاة حتى اليوم.
كما أشار إلى وجود 6 أعمال أخرى سجلتها نجاة بصوتها، لكنها بقيت حبيسة الشرائط القديمة، بعدما تعذر تحويلها إلى الصيغة الرقمية.
محمد منير.. بداية تصنع هوية
كان عبدالرحيم منصور صاحب الخطوة الأولى بتقديم صوت محمد منير إلى هاني شنودة، لكن الموسيقار الراحل هو الذي التقط ملامح المشروع الفني، وقرر بناء قالب موسيقي يناسب هذا الصوت.
اختار شنودة الجمع بين الإيقاعات النوبية والآلات الحديثة، وقدم مع منير ألبوم "أمانة يا بحر"، ثم واصل التعاون في "بنتولد"، الذي أعيد طرحه لاحقاً باسم "علموني"، لتصبح تلك المرحلة حجر الأساس في مسيرة منير.
ومع انشغاله لاحقًا بفرقة "المصريين"، لم يقطع هاني شنودة صلته بمنير، وفتح أمامه أبواب التعاون مع ملحنين وموسيقيين آخرين، وظلت العلاقة بينهما ممتدة، وهو ما ظهر بوضوح عندما اجتمعا مجددًا في حفل تكريم شنودة بالرياض، حيث وقف منير بين أبرز المشاركين في الاحتفاء بمشواره.
عمرو دياب.. فرصة غيرت المسيرة
بدأت حكاية هاني شنودة مع عمرو دياب في بورسعيد، عندما طلب المطرب الشاب آنذاك دقائق قليلة من الموسيقار المعروف ليسمع صوته عقب إحدى حفلات فرقة المصريين، وبعد استماع شنودة إلى عمرو دياب، شعر بوجود الموهبة، لكن نصحه بالانتقال إلى القاهرة إذا كان يريد احتراف الغناء، وفي اليوم التالي فوجئ بدياب ينفذ النصيحة ويقرر بدء مشواره من العاصمة.
ساعد هاني شنودة المطرب الشاب لاحقًا في الالتحاق بمعهد الموسيقى، وعرفه بعدد من الشعراء والملحنين، قبل أن يجمعهما تعاون في ألبوم "يا طريق"، الذي تولى شنودة توزيع أغنياته ولحن عددًا منها، لتصبح تلك المرحلة من أهم محطات البدايات في مسيرة الهضبة، لذلك ظل هاني شنودة ينظر إلى تجربة عمرو دياب باعتبارها نموذجًا لأي فنان ينجح في التخطيط لمستقبله والحفاظ على نجاحه.
زياد ظاظا.. أحدث الأجيال وأخر مشروع فني
حتى السنوات الأخيرة من حياته، لم يتخل هاني شنودة عن رهانه على التجريب، فاختار إعادة تقديم أغنية "بحلم معاك" بمشاركة مغني الراب زياد ظاظا والمطربة الشابة تينا.
احتفظ هاني شنودة باللحن الأصلي الذي وضعه لنجاة الصغيرة كما هو، بينما جاءت المعالجة الجديدة بمزيج يجمع الموسيقى الكلاسيكية بإيقاعات الراب، في محاولة لتقديم التراث إلى جمهور مختلف دون التخلي عن هويته.
كان مشروع زياد ظاظا هو آخر مشاريع هاني شنودة قبل رحيله، لتغلق دائرة موسيقية امتدت لعقود، بدأت بتحديث الأغنية العربية مع نجاة، ثم صناعة البدايات لمحمد منير وعمرو دياب، وانتهت بمحاولة فتح الباب أمام جيل جديد يقرأ الموسيقى القديمة بلغة العصر، لتظل رحلته شاهدة على أن التجديد كان المشروع الذي لم يغادره حتى آخر أعماله.






