هناك أصوات نستعيد معها ذاكرة زمن مضى، من كانوا شبابًا أو مراهقين في مطلع الألفية لن يحتاجوا وقتًا طويلًا لاستعادة تلك الأيام عندما تأتي هذه الأصوات عبر أثير الراديو أو مقترحات تطبيقات الموسيقى بعد سنوات الغياب .. من بين هذه الأصوات ياسمين نيازي.
في صيف 2007 لم تكن ياسمين نيازي مجرد مطربة شابة تطرح ألبومها الأول. كانت تبدو كأنها مشروع نجمة تدخل السوق وهي تحمل أحد أهم شروط النجومية وهي"شخصية الصوت".
طرحت ياسمين نيازي ألبومها الأول "شكلك هتوحشني" من إنتاج روتانا، وتصدرته أغنية "قليل الحيلة" لتبدو القصة وكأنها تسير في الطريق الطبيعي نحو صناعة نجمة جديدة. أغنية ناجحة، شركة إنتاج ضخمة، صوت مختلف .. لكن شيئًا ما حدث بعد ذلك.
هذه هي الحكاية الأكثر قسوة في مسيرة ياسمين نيازي، والسؤال المُحير: كيف تحولت مسيرة صوت من طريق النجومية إلى خانة الذكريات؟!
الهروب من التمثيل إلى نجومية الغناء
بدأت ياسمين قصتها مع الغناء في سن مبكرة من خلال مشاركاتها في الحفلات والأنشطة الفنية المدرسية، بعدها التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ولكنها لم تُفكر في اقتحام عالم التمثيل، إلى أن التقطتها عين المنتج الفني فايز عزيز، الذي قدمها بدوره لشركة "روتانا".
تعامل فايز عزيز معها باعتبارها مشروع نجمة، أدخلها أكبر منظومة إنتاجية عربية قادرة على تحويل الصوت الجديد إلى اسم حاضر في السوق.
انطلقت بألبوم "شكلك هتوحشني" الذي ضم في كواليسه أسماء مهمة في صناعة الأغنية مثل الشعراء: محمد رفاعي، نادر عبد الله، أمير طعيمة، ولحن لها تامر عاشور أغنيات، بجانب حضور للملحنين محمد رحيم ومحمد يحيى، ووليد سعد.
أسماء كانت كفيلة بصناعة ألبوم قوي، وصورت أغنية "قليل الحيلة" كفيديو كليب حقق نجاحًا كبيرًا بجانب أغاني مثل : بأمانة، حط نفسك مكاني، وبان عليا هواه .
مشروع أتاح لإمكانيات صوتها الظهور الكامل، وفرض شخصيته المُختلفة عن بقية بنات جيلها، كل شيء كان جاهزًا لبدء مسيرة تضاهي نجمات البوب المصريات .. ولكن ماذا حدث؟
الغياب الأول : كيف يتذكرك الجمهور؟
المشكلة تكمن في القدرة على الاستمرارية، وهي الأزمة التي ألمت بمسيرة ياسمين مبكرًا، ربما لم يكن تأخر ألبومها الثاني مسئوليتها وحدها، وربما لم تملك هي القدرة على حماية استمراريتها أمام إنشغال الشركة بعدد ضخم من النجوم.
احتاجت ياسمين إلى نحو أربع سنوات كي تطرح ألبومها الثاني "حبك عامل سيطرة" عام 2011 ، وأربع سنوات في سوق البوب، قد تبدو وقتًا كافيًا لتغير الجمهور، وظهور أصوات جديدة، وطريقة استماع مُختلفة.
الأهم أنه حين صدر الألبوم، كان العالم العربي يعيش لحظة سياسية استثنائية، وكانت صناعة الحفلات والإعلام الغنائي مُرتبكة، لكن أزمة ياسمين، بحسب تصريحات سابقة لها، لم تكن مرتبطة بالظروف وحدها، بل تحدثت أكثر من مرة عن تأجيلات إنتاجية من جانب روتانا، وعن شعورها بأن تلك التأجيلات عطلت علاقتها المستمرة بالجمهور.
لم يكن ألبومًا "حبك عامل سيطرة" سيئًا حتى نتهمه بالفشل الجماهيري، بالعكس ضم مجموعة من الأغاني التي أكدت هوية وحضور ياسمين مثل : حبك عامل سيطرة، نهايتي معاك، سلامات ياهوى، وأكدب عليا.
لكن النجاح الفني يحتاج عوامل دعائية مساعدة، والجمهور يحتاج إلى أن يراك باستمرار حتى لا تتحول إلى مجرد ذكرى.
الغياب الثاني من روتانا إلى التمثيل
بعد 3 سنوات أخرى وتحديدًا في 2014، انتهى تعاقد ياسمين مع روتانا، وهنا بدأت مرحلة أخرى، أكثر صعوبة، لأنها لم تعد تملك مُنتجًا داعمًا، بينما كان سوق الموسيقى نفسه يتجه تدريجيًا نحو صيغ موسيقية مُختلفة : سيطرة السينجل، والمنصات الرقمية، وسرعة الاستهلاك، وصعود المهرجانات.
فطنت ياسمين إلى ضرورة التواجد عبر الأغاني السينجل وقدمت "طعم الحروف" و "نسايم" و "عاند وكابر" و "ياعم الباشا"، لكنها لم تجد ماكينة الدعاية المناسبة، بدت وكأنها تقف وحيدة وسط أمواج السوق العاتية دون خطة، أو مؤسسة تحمي مشروعها .
في تلك اللحظة أخرجت من جُعبة مواهبها وجه الممثلة الأكاديمية، فبحثت عن نفسها في الدراما التليفزيونية ، فشاركت في مسلسل "سابع جار"، ثم ظهرت في مسلسل "قيد عائلي.
وجدت في التمثيل طريقًا موازيًا يسمح لها بالحضور الجماهيري طالما أصبح الغناء طريقًا شائكًا وهكذا ظلت عالقة بين عالمين، التمثيل والرغبة في العودة للغناء.
"هرقص مصر" محاولة أخيرة
بعد سبع سنوات تقريبًا من آخر ألبوم كامل، عادت ياسمين عام 2018 بميني ألبوم "هرقص مصر"، وكأن الزمن في مسيرتها لا يتحرك بالسنة أو الشهر، بل بالانقطاعات.
ضم الميني ألبوم خمس أغنيات هي : " كداب ، هرقص مصر ، وعاملة جامدة، وحركات، وجانا الهوى"، وحمل محاولة واضحة للعودة إلى المشهد، لكن العودة جاءت في سوق لم يعد هو السوق نفسه الذي صنعت فيه نجوميتها.
ياسمين لم تكن تحاول العودة إلى مكانها القديم بل كانت تحاول العودة إلى صناعة موسيقية لم تعد موجودة بالشكل نفسه.
ثم كررت المحاولة بأغاني منفردة مثل "كلام الحب" عام 2020 ، و"رافضة الفكرة" 2021 ، وظهرت على استحياء في عدد محدود من الحفلات .
لماذا تأرجحت المسيرة ؟!
أخيرًا تطرح مسيرة ياسمين نيازي سؤالًا هامًا : لماذا لم تصل إلى المكان الذي يستحقه صوتها؟!
من السهل أن نضع كل المبررات، لكن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير، فالمطرب أصبح مطالبًا أن يكون مؤسسة فنية مستقلة قادرة على الإنتاج، والتسويق، وحماية المُنتج، وتطوير صورته الذاتية كفنان مواكب للزمن .
لهذا كان من الممكن أن تتغير مسيرة ياسمين نيازي تمامًا لو أن المسافات بين ألبوماتها لم تتسع، ولو أن اختياراتها التالية كانت مواكبة بذكاء لما يحدث من تطورات في سوق الموسيقى.
صحيح أن كلمة "لو" لن تغيير شيئًا، ولكن يكفي فقط أننا مازلنا نتذكر "قليل الحيلة" ونستعيد معها ذكرياتنا الجميلة ، وصوت ياسمين نيازي.






