في مدينة مكناس المغربية ولدت "حكمت"، لم تمر بطفولة مُعقدة كالتي كتبت بدايات الكثير من النجوم، حتى أنها لم تسع للغناء الذي جاءها بالصدفة. ظهرت على الساحة مطلع الألفية وكأنها قادمة من مكان بعيد عن حسابات صناعة النجوم. لم تكن صاحبة سابقة من الظهور التلفزيوني، ولا نتاج مسابقات اكتشاف المواهب، حتى أنها لم تبن حضورها تدريجيًا عبر الحفلات.
دخلت المشهد بأغنية واحدة هي "حاول" التي كتبها ولحنها لها مروان خوري، ثم وجدت نفسها خلال فترة قصيرة داخل ستوديوهات الصوت تُسجل ألبومها الأول " نفسي أكون حرة".
تحكي حكمت في لقاء سابق مع صحيفة "هيسبريس" المغربية أنها تعرفت على مروان خوري عن طريق المطربة مها الريم، اقتنع مروان بصوتها، وكتب ولحن لها "حاول"، التي أصبحت بوابتها إلى الجمهور العربي.
كانت "حاول" أكثر من مجرد أغنية أولى، فقد وضعت حكمت مباشرة في منطقة الأغنية العربية الرومانسية التي كان مروان خوري أحد أبرز صناعها في تلك الفترة.
ألبوم بتوقيع نجوم الصناعة
بعد هذه الأغنية قدمت ألبومها الأول "نفسي أكون حرة" عام 2007، وتعاونت فيه مع مجموعة من الأسماء المهمة في صناعة الأغنية، مثل الشاعر بهاء الدين محمد، الملحن محمود الخيامي، مراد الأسمر، حسن أبو السعود، إلى جانب مروان خوري، ومن هذا الألبوم دخلت بوابة مصر عندما صورت أغنية "غريب الحال" في قصر السكاكيني بالقاهرة.
كان كل شيء مهيئًا لمسيرة طويلة .. صوت جديد، شركة إنتاج، ألبوم بأسماء كبيرة، كليبات، وحضور إعلامي عربي. لكن حكمت نفسها لم تتعامل مع الأمر باعتباره بداية سباق نحو الشهرة. في تصريحات لاحقة لها قالت بوضوح إنها لا تغني من أجل كسب قوتها من الفن، وإنها تعتبر الغناء هواية لا أكثر.
بعد هذا النجاح والتنقل السريع بين القاهرة ودبي وبيروت والدار البيضاء جاءت حياتها الشخصية لتغير دفة الحكاية تمامًا، وككثير من نجمات البوب في هذه المرحلة تزوجت عام 2009 من رجل أعمال مصري يدعى نبيل البوشي. هنا ربما تكمن الإجابة الأولى الأهم على سؤال : "وين راحت حكمت؟"
سردية زواج النجمة ورجل الأعمال
قبل أن ينتهي الزواج بالطلاق، بالتزامن مع القضية المالية الشهيرة التي تورط فيها البوشي. وجدت حكمت نفسها في قلب هجوم إعلامي لم يكن مرتبطًا بالغناء أصلًا، واضطرت إلى الدفاع عن نفسها ضد اتهامات طالتها باعتبارها زوجته الثانية للبوشي.
في حوار مع مجلة "لها" وصفت نفسها بأنها "الضحية الأولى" في القضية، مؤكدة أنها كانت طُلقت من البوشي قبل أيام من القبض عليه.
ولكن هل كان زاوجها وطلاقها من البوشي سببًا في إنهاء مسيرتها؟
الحقيقة لا .. صحيح أن حياتها الشخصية شهدت في تلك الفترة أزمة كبيرة، إلا أن مسيرتها كانت شبه متوقفة قبل أن تتحول أزمة زوجها إلى قضية رأي عام في مصر، ولهذا تبدو تلك الزيجة مجرد عامل ساعد على توقف المسيرة، لا سببًا مباشرًا فيها .
بعد تلك الواقعة توفي والدها، الحدث الذي أثبت أن حضور الأب كان مؤثرًا في حياتها على الأقل على المستوى النفسي، دون أن يعرف الجمهور والإعلام ذلك، فدخلت في موجه اكتئاب ابعدتها عن الساحة أكثر.
عودة بروح مروان خوري
تصريحاتها نفسها تقدم تفسيرًا مختلفًا. فهي لم تكن تشكو من غياب الفرص بقدر ما كانت تؤكد أنها لا تريد تقديم عمل لا يشبهها. وفي حديثها عن تجربتها قالت إنها لا تعتبر نفسها محترفة في الغناء، وإنها لا تبحث عن الشهرة لمجرد الشهرة. تلك الفلسفة تبدو اليوم غريبة في صناعة تقوم على الاستمرارية والحضور الدائم، لكنها تفسر مسيرتها.
حتى عودتها عام 2015 حملت توقيع البداية نفسها. عادت حكمت بأغنية "ماعاد بدي حب" من كلمات وألحان مروان خوري أيضًا، وكأنها أرادت أن تستعيد الخيط الذي بدأت منه، لكن العودة لم تتحول إلى مشروع مستمر، فابتعدت مجددًا عن المشهد الغنائي.
في السنوات التالية ظهرت عبر مجال مختلف تمامًا، واتجهت إلى العلاج بالطاقة، وظهرت إعلاميًا تتحدث عن عملها الجديد. وهكذا انتهت واحدة من أكثر قصص الاختفاء غرابة في جيلها. مطربة لم تفشل، ولم تفقد صوتها، ولم تتوقف لأن الجمهور رفضها، وإنما ابتعدت تدريجيًا عن مجال لم ترغب أن تُصبح أسيرته.
زُهد الشهرة أم الخوف منها؟!
ربما لهذا تبدو حكاية حكمت أكثر إنسانية من كونها مجرد قصة مطربة اختفت، لقد جاءت إلى الشهرة دون أن تطاردها، وحصلت على فرصة كان كثيرون يتمنونها، ثم اكتشفت أن النجاح نفسه يفرض حياة لم تكن تريدها. وحين تداخلت تلك المسيرة القصيرة مع زواج صاخب وأزمة شخصية وإعلامية، أصبح الابتعاد أكثر سهولة.
حكمت لم تختفِ بعد فشل مشروعها، بل على العكس، اختفت وهي تملك كل أسباب الاستمرار. ولكن صناعة الموسيقى تعمل بمنطق مختلف، فالمطرب الذي ينجح بأغنية مطالب بأن يحافظ على حضوره، بينما كانت حكمت تتعامل مع الغناء كهواية لا وظيفة تتطلب الإلتزام والحضور الدائم.






