على الرغم من تراجع زخم مشهد الإندي المغاربي في السنوات القليلة الماضية، برزت أسماء جديدة، من بينها سارة مول البلاد، التي سعت إلى بناء مسار فني قائم على صوت مختلف وهويّة متفرّدة. استفادت من تجارب الإندي المحيطة بها، وانتقلت بين المغرب ومصر في رحلة بحث عن أسلوبها الخاص، ما ساهم في توسيع آفاقها الفنية وتشكّل مشروعها بشكل تدريجي. ارتبط اسمها لدى شريحة من الجمهور بتعاونها مع فرقة كايروكي، غير أنّ حضورها لم يقتصر على هذا التعاون، إذ قدّمت أعمالًا مشتركة أخرى، قبل أن تعود هذا العام بألبوم قصير أعاد الضوء على مشهد الإندي المغربي.
بداية واعدة في مشهد الإندي
قد تكون مشاركتها بأغنية "نفسي أحبك" مع فرقة كايروكي، هو التعاون الذي فتح لها بابًا أوسع داخل المشهد المصري، حيث بدأت ملامح تجربتها تتبلور خارج حدود المغرب. وجدت مساحة إنتاجية مختلفة في مصر، وجمهورًا متقبّلًا لصوت يتكئ على الحسّ الداخلي أكثر مما يسعى إلى الانتشار السريع، ما ساهم في ترسيخ حضورها ضمن دائرة الموسيقى البديلة.
استمر هذا التعاون أيضًا من الفرقة مع مغنيها الرئيسي أمير عيد في أغنية "الدنيا هس"، والتي أعادت إلى الذاكرة قليلًا تجربة الفرقة مع سعاد ماسي، الصوت القادم من الجزائر، في أغنية "أجمل ما عندي"، والتي تقريبًا تدخل في نفس الجنرا والإحساس والتعاون المصري المغاربي. في الأغنيتين برز ميل واضح إلى أغنية هادئة نسبيًا، تقوم على البساطة في التوزيع، وتمنح مساحة أكبر للصوت والتعبير.
أما في أغانيها الخاصة، فتبرز أغنية "دنيا" عام 2019 كواحدة من أولى الإصدارات التي كشفت بوضوح عن ملامح صوت سارة وهويتها، خصوصًا أنها كتبتها ولحّنتها بنفسها، وفي وقت كان فيه مشهد الإندي المغربي يميل إلى الخفوت.
تأثر صوت هذه الأغنية بالجاز وهو التأثير الأساسي الذي نلحظه بمعظم أغانيها، أما أسلوبها الكتابي فكان عبارة عن نص داخلي يخاطب الدنيا" بوصفها كيانًا حيًّا تتقاطع فيه التناقضات، من الواقعية إلى العاطفة، ومن الاندفاع إلى الخسارة. جاء بتوزيع بسيط ترك المساحة للصوت، ما أظهر قدرتها على بناء حالة شعورية متماسكة.
المزيد من تعاونات المشهد المصري
ما يميّز تجربة سارة مول البلاد هو انتقالها إلى مصر وهي تحمل معها جذورها المغربية، لتدمجها مع الخبرة الموسيقية في المشهد المصري. ولم يكن تعاونها مع كايروكي هو الوحيد الذي عزّز حضورها هناك، فقد شاركت مع الفنان محمود الليثي وإسلام ساسو في أغنية "حسدوني" ضمن حلقة خاصة من "ريد بل صالونات".
دمجت الأغنية من المرات الأولى النادرة بين الحس الشعبي المغربي واللون الشعبي المصري، حيث التقت الإيقاعات والتعبير الغنائي في مساحة مشتركة تجمع بين المدرستين، ما أضفى على التجربة طابع هجين، لكن الأغنية خرجت من سياق البرنامج وحققت نجاح كبير وساهمت بانتشار اسمها أكثر.
قبل إصدار الألبوم بأشهر، أطلقت سارة مول البلاد أغنية "غدار" بنفس راي واضح، في تعاون مع اسمين بارزين من المشهد المصري بالموسيقى: راشد ميوزك وكبارة. تبرز الأغنية كأحد الأعمال التي تعكس سعيها إلى استعادة جذور موسيقية مغاربية ضمن معالجة حديثة، حيث انسجمت عناصر صوتها مع طابع الراي الأثيري. لتشارك في موجة تجديد هذه الجنرا التي يشهدها المشهد المغربي خلال السنوات الأخيرة.
العودة إلى الجذور
في ألبومها القصير الأول "توحشتك" والذي أصدرته هذا العام، تعود سارة إلى جذورها، من الكلمات إلى الألحان وحتى الهوية البصرية. في الأغنية الرئيسية تقدم لحظة حميمة تقوم على الغياب أكثر من الحضور، حيث يتحول الاشتياق إلى حالة معلّقة بين الذاكرة والواقع. تنسج سارة الأغنية بصوت محمل ببحة هادئة مليئة بالتعابير، فيما تترك للموسيقى في الخلفية مساحتها كي تقود هذه الحالة المليئة بالتأمل والحنين.
أمّا الكليب، الذي قُدِّم في صيغة أقرب إلى فيلم قصير، فقد تولّى إخراجه رضا لهمود، والمعروف بمشاركته بأعمال بارزة منها الفيلم "Première vague" (الموجة الأولى). ينعكس في الكليب أسلوبه القائم على التقاط لحظات يومية واقعية ضمن مدينة الدار البيضاء، مع اعتماد معالجة بصرية هادئة تترك مساحة للصورة كي تعبّر عن الحالة العاطفية، بما ينسجم مع أجواء الاشتياق والغياب دون مبالغة إخراجية.
في ثاني أغاني الألبوم "ولو"، تكشف سارة مول البلاد عن أسلوب كتابي أكثر حدة ووضوحًا، حيث تقوم الكلمات على تكرار بنية شرطية تبدأ بـ "ولو"، ما يعطيها الطابع الاعتراف المباشر. تتداخل في الأغنية مشاعر التعلق والخذلان، مع حضور نبرة عاطفية قوية لا تتخفى خلف استعارات معقدة، بل تذهب نحو التعبير الصريح عن الندم والاشتياق وصراع الكرامة مع الحب.
على المستوى البصري، يستمر تعاونها مع المخرج رضا لهمود، لكن المعالجة تختلف عن "توحشتك"، إذ تظهر هذه المرة في مواجهة مباشرة مع الكاميرا، ما يخلق علاقة أكثر صراحة مع المشاهد. يسيطر على الكليب حضور الفستان الأحمر وتدرجاته اللونية، ليصبح عنصرًا بصريًا مركزيًا يوازي حدة النص، ويعكس الحالة العاطفية المتوترة التي تحملها الأغنية.
في مقابلتها ضمن برنامج "مع مومو" على راديو هيت المغربي بعد إصدار الألبوم، تتحدث سارة مول البلاد عن تجربتها في الذهاب من كازابلانكا إلى مصر، حيث بدأت مسيرتها، وكيف عادت إلى بلادها بإصدارات جديدة. لكن ما يمكن أن نقول أنه مختلف في تجربة سارة هو أنها في هذا الألبوم أعادت إحياء مشهد الإندي المغربي، وهو المشروع التي أرادت منه سارة أن تكون على الخط الفاصل بين التجديد والتحديث وتقديم صوت مرتبط بالجذور دائمًا.






