لم يكن عبدالهادي بلخياط مجرد صوت لامع في ذاكرة الأغنية المغربية، بل كان أحد الأصوات التي تشكل معها وعي جيل كامل، وصاغت ملامح مرحلة ذهبية امتدت من ستينيات القرن الماضي إلى نهايات القرن العشرين.
تجربة فنية طويلة، تداخل فيها الإبداع مع التحول، والشهرة مع العزلة، والغناء مع التأمل، قبل أن يرحل عن عالمنا عن عمر ناهز السادسة والثمانين، تاركا وراءه أثرا لا يمحى في الوجدان المغربي.
ولد عبدالهادي الزوكاري الإدريسي سنة 1940 بمدينة فاس؛ ولم تلبث طفولته أن انكسرت على واقع اجتماعي ضاغط، دفع أسرته إلى الهجرة المبكرة نحو الدار البيضاء، بحثًا عن النجاة والعمل، في زمن كانت فيه البلاد تعيش على إيقاع تحولات الحرب العالمية الثانية.
لم يعرف بلخياط طفولة مترفة ولا مسارًا دراسيًا مستقرًا. أنهى تعليمه عند الشهادة الابتدائية، ليجد نفسه، وهو في هذا السن الصغير، مسؤولًا عن إعالة أسرته.
عمل أولًا مع والده في النجارة، ثم قادته الظروف إلى الرباط، حيث عمل سائقًا بوزارة الشباب والرياضة؛ هناك، وعلى هامش العمل اليومي، بدأ اقترابه الحقيقي من الوسط الفني، وتفتحت موهبته الموسيقية على نحو حاسم.
كان الشغف بالموسيقى أقوى من كل الحسابات؛ فقصد دار الإذاعة بالدار البيضاء، وسجل محاولته الأولى، التي سرعان ما لفتت الانتباه إلى خامة صوتية مختلفة، تجمع بين القوة والدفء، وبين صفاء الأداء وقدرته على حمل النصوص الثقيلة والمعاني المركبة.
مع بداية ستينيات القرن الماضي، توالت تسجيلاته الإذاعية، في مرحلة كانت تعرف ازدهارا غير مسبوق في الكتابة والتلحين والغناء، وتشكل ما عرف لاحقا بالجيل الذهبي للأغنية المغربية.
لم يتردد بلخياط في توسيع أفق تجربته، فسافر إلى القاهرة، حيث وجد نفسه أمام خيارين: الاندماج في السوق الغنائي العربي الواسع بالغناء باللهجة المصرية، أو العودة إلى المغرب حاملا ما اكتسبه من خبرة لصياغة مشروعه الخاص بلغته ولهجته؛ لكنه اختار الطريق الأصعب، وعاد إلى بلده، مؤمنا بأن صوته خلق ليحمل الوجدان المغربي، لا ليذوب في غيره.
وقبل استقراره النهائي، خاض تجربة التمثيل السينمائي بين القاهرة ولبنان، وشارك في أعمال غنائية واستعراضية، من بينها "الدنيا نغم" و"أين تخبئون الشمس؟"، إلى جانب أفلام أخرى تركت أثرا محدودا قياسا بتجربته الغنائية، لكنها كشفت عن فنان كان يبحث دائما عن التعبير بأكثر من وسيلة.
في المغرب، رسخ عبدالهادي بلخياط مكانته كأحد أعمدة الأغنية الحديثة، إلى جانب أسماء مثل عبدالوهاب الدكالي، محمد الحياني، ونعيمة سميح؛ وقدم رصيدا غنائيا متنوعًا، جمع بين القصيدة العربية الفصحى والزجل المغربي، ونجح في جعل القصيدة المغناة جزءا من الذائقة الشعبية، لا نخبوية معزولة.
أعمال صنعت الذاكرة
من "رموش" إلى "الهاتف"، ومن "الموعد" إلى "القمر الأحمر"، ومن "الشاطئ" إلى "الأمس القريب"، صنع بلخياط أعمالًا تجاوزت زمنها، واستقرت في الذاكرة كعلامات فنية مكتملة؛ وحين غنى "يا بنت الناس"، و"ركبنا قطار الحياة"، أصبح صوته مرادفًا للحنين، ولشجن هادئ لا يعلو ولا يصرخ، لكنه يصيب القلب مباشرة.
توج حضوره المبكر بإسناد أداء "نشيد العرش" إليه عام 1962، في أولى سنوات اعتلاء الملك الحسن الثاني العرش، وهو حدث رسخ مكانته الفنية، ومنحه موقعًا خاصًا لدى المؤسسة الرسمية والجمهور معًا.
شراكات صنعت الكلاسيكيات
تعاون مع كبار الملحنين والشعراء، من أمثال عبدالسلام عامر، وعبدالقادر الراشدي، وعبدالنبي الجيراري، وحسن القدميري، وغنى قصائد لكبار الشعراء العرب، وفي مقدمتهم نزار قباني.
غير أن المسيرة لم تمض على خط واحد؛ ففي عام 2012، أعلن عبدالهادي بلخياط اعتزاله الغناء، واختار الانسحاب بهدوء من الأضواء، متفرغا للإنشاد الديني والأعمال الروحية، في تحول بدا امتدادا طبيعيا لمسار داخلي طويل، لا قطيعة مفاجئة مع الفن.
ورغم الاعتزال، ظل حاضرًا في الذاكرة، وظهر في مشاركات محدودة، من بينها مشاركته في مهرجان موازين سنة 2015 بأعمال إنشادية لاقت صدى واسعًا.
وفي سنواته الأخيرة، قدم أعمالًا ذات بعد إنساني ووطني، من بينها "خويا الصحراوي"، و"الله أجاري"، التي حملت دعوات صريحة للتسامح لكن في خطاب فني هادئ، خال من الشعارات.
قبل أسابيع من رحيله، تعرض بلخياط لوعكة صحية بدأت خلال وجوده في موريتانيا، إثر نزلة برد حادة تطورت إلى مضاعفات في الجهاز التنفسي، استدعت نقله إلى المستشفى العسكري بالرباط، حيث وضع تحت العناية المركزة؛ ومع تدهور حالته الصحية، رحل الفنان في صمت، كما عاش سنواته الأخيرة، ليوارى جثمانه الثرى في الدار البيضاء.
برحيل عبدالهادي بلخياط، لم يفقد المغرب فنانا فقط، بل صفحة كاملة من تاريخه الغنائي؛ صوت ظل وفيا لزمنه، ثم اختار الانسحاب حين شعر أن رسالته اكتملت، تاركًا لنا أغنيات لا تشيخ، وتجربة تقول إن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج ليبقى.






