حين أعلن أحمد سعد أن مشروعه هذا العام سيتوزع على خمسة ألبومات، لم يكن أكثر ما لفت الانتباه عددها، بل أحد تصنيفاتها: "البوب الفرفوش". بدا الاسم طريفًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة قد يكون أول محاولة لتسمية صوت موسيقي جديد داخل البوب المصري منذ سنوات. وربما لم يخترع أحمد سعد هذا النوع، لكنه اختار الاسم الذي كان ينقصه.
فرفشة للأوقات العصيبة
يصعب تحديد اللحظة التي وُلد فيها هذا الصوت، لكن يمكن تتبع الطريق الذي قاد إليه. فبعد الصعود الصاروخي لموسيقى المهرجانات، خصوصًا في السنوات التي تزامنت مع جائحة كورونا، لم يعد البوب المصري قادرًا على تجاهل تأثيرها، فحاول احتوائها دون التخلي عن هويته، باستعارة عناصر محددة: إيقاعاتها ومفرداتها وبعض ثيماتها، وحتى كتّابها وملحنيها.
ساهم أحمد سعد في هذا الاتجاه، من خلال أغنيات مثل "وسع وسع"، التي تعاون بها مع صناع أغاني المهرجانات؛ الشاعر الغنائي مصطفى حدوتة والملحن والموزع كلوبيكس. وقدم واحدة من أكثر ثيمات المهرجانات حضورًا، وهي التفاخر، ضمن قالب تذوب فيه الفواصل ما بين أغنية البوب والمهرجان.
لكن تلك المرحلة كانت مجرد البداية. فمع مرور الوقت، لم يعد البوب يستعير من المهرجانات موضوعاتها بقدر ما استعار وظيفتها. لم تعد الأغنية تبحث عن التعبير عن حالة عاطفية يعيشها المستمع، أو ترجمة مشاعره كما اعتاد البوب المصري لعقود، بل أصبحت الأغنية تحاول أن تصنع رد فعل مباشر؛ ابتسامة أو ضحكة أو موقفًا خفيفًا يبقى عالقًا في الذاكرة.
هنا تحديدًا يمكن الحديث عن "البوب الفرفوش" بوصفه أكثر من مجرد أغنيات خفيفة. فهذا النوع لا يقوم أساسًا على قوة المشاعر، بل على سرعة الفكرة. يعتمد على اللعب بالكلمات والمفارقات اليومية والسخرية الخفيفة، والصور الذكية التي يسهل التقاطها من أول استماع.
حتى الشخصية التي يقدمها المغني داخله تختلف عن صورة البطل الرومانسي التقليدي، فهو لا يخجل من السخرية من نفسه أحيانًا، ولا من المبالغة في الأداء أو تمثيل موقف كوميدي إذا كان ذلك سيجعل الأغنية أكثر قربًا من المستمع.
وهنا يبدو التحول كبيرًا إذا ما قورن بتاريخ البوب المصري. فالأغنية العاطفية كانت دائمًا عموده الفقري؛ الحب والفراق والاشتياق والحنين، هي المشاعر الأساسية التي شكلت اللغة الأساسية لمشهد البوب المصري لعقود طويلة. أما اليوم، فيبدو أن الرومانسية لم تعد وحدها تقود المشهد، بعدما ظهرت مساحة جديدة تمنح الأولوية للمرح ولخفة الظل.
ولعل الفيديوهات القصيرة ومنصات مثل تيك توك ساهمت في ترسيخ هذا التحول. فهذه المنصات لا تحتاج بالضرورة إلى أغنية تترجم المشاعر ويتعايش معها المستمع، بقدر ما تحتاج إلى لحظة سريعة يمكن إعادة استخدامها آلاف المرات.
وهنا يصبح الذكاء أهم من الشجن، وتصبح الجملة التي تثير الابتسامة أكثر قابلية للانتشار. لذلك وجد هذا اللون بيئته الطبيعية في زمن أصبحت فيه الأغنية تبلغ ذروة نجاحها عبر مقاطع الفيديو القصيرة، إلى جانب الاستماع الكامل للأغاني.
متى ولدت الفرفشة في الأغنية المصرية؟
ولا يعني الحديث عن "البوب الفرفوش" أن الكوميديا والفرفشة وُلدتا فجأة داخل البوب المصري. فهذه الروح كانت حاضرة منذ عقود، واتسعت مساحتها مع صعود الأغنية الشعبية في الثمانينيات وانتشار أشرطة الكاسيت، لتنعكس، وإن بقدر محدود، على أغنية البوب في أعمال مثل "كل البنات بتحبك" لحسام حسني والعديد من أغاني هشام عباس في التسعينيات ومطلع الألفية.
ويمكن القول أن لغة أغاني البوب الفرفوش موطنها الأسبق كان بالأغنية الشعبية، بتجارب حكيم وأبو الليف وعصام كاريكا وغيرهم، بالإضافة إلى السينما، ولا سيما في الأفلام الكوميدية، حيث تحولت الأغنية إلى جزء من بناء المشهد، سواء قدمها بطل الفيلم نفسه أو أداها مطرب يقتصر على تقديم أغنية تعزز الحالة الكوميدية.
لكن تلك التجارب بقيت لعقود تدور في هامش الأغنية المصرية، قبل أن تتضافر العوامل وتتغير ذائقة الجمهور. والجدير بالذكر أن أغاني الأفلام الكوميدية كانت أحد أبرز الروافد لهذه الجنرا، التي تحولت منة عدلي القيعي إلى واحدة من أبرز نجومها؛ بتعاوناتها مع نجوم البوب أحمد سعد وعمرو دياب وغيرهم، عقب نجاحها الاستثنائي بتأليف أغاني الأفلام.
ورغم أن أحمد سعد كان الأكثر وضوحًا في تسمية هذا الاتجاه، فإن حضور البوب الفرفوش أوسع من مشروعه الشخصي، بل تعدى البوب المصري إلى باقي الوطن العربي. فقد ظهرت خلال العام الحالي أغاني لهيفاء وهبي وميريام فارس تميل إلى المنطق نفسه، لتحقق أغنية "بدنا نروق" نجاحًا قلب المعايير في البوب اللبناني.
الفرفشة تصل إلى أرشيف الهضبة
ومع اتساع حضور هذا اللون في السوق، أصبح حدوتة أيضًا في واجهة الانتقادات، خصوصًا مع صدور ألبوم عمرو دياب الجديد "حبيتك"، ولاسيما أنه تحول إلى أكثر الشعراء تعاونًا معه ، بعدما كان حضوره في الألبومين السابقين يقتصر على أغنية واحدة فقط، تبدو أقرب إلى الهامش داخل المشروع.
فمرت أغنية "يا قمر" في ألبوم "مكانك" وأغنية "قفلتي اللعبة" بألبوم "ابتدينا" دون أن تغرق بالانتقادات؛ بخلاف الألبوم الجديد، الذي توجهت معه سهام النقد إلى مصطفى حدوتة.
كثير من هذه الانتقادات انطلقت من فكرة أن هذا النوع من الكتابة لا ينسجم مع تاريخ عمرو دياب، أو أنه يقدم كلمات أقل من المستوى الذي اعتاده جمهوره. لكن هذا النقد يتجاهل أن عمرو دياب لا يتعاون مع مصطفى حدوتة رغم أسلوبه المختلف عنه، بل بسببه. فهو يدرك أن لكل مرحلة لغتها، وأن مصطفى حدوتة بات من أكثر الكتّاب قدرة على صياغة هذا النوع من الأغنيات، القائم على الفكرة السريعة، والمفارقة الذكية، والجملة القابلة للتداول خارج سياقها الأصلي.
ولعل أغنية "الألوان" تقدم المثال الأوضح على ذلك. فنجاحها لا يرتبط فقط بلحنها أو أداء الهضبة، بل بقدرتها على إنتاج عشرات الاستخدامات المختلفة على منصات الفيديو القصير. فمنها ما يوظف الأغنية في فيديوهات الموضة واستعراض الأزياء، ومنها ما يقتطعها داخل مشاهد كوميدية أو مقاطع ساخرة، من دون أن تفقد الأغنية معناها أو حضورها.
وتبرز أهمية عمرو دياب في تطوير البوب الفرفوش، عبر تعاوناته المتكررة مع مصطفى حدوتة، على مدى ثلاثة ألبومات متتالية، أّنه نقل هذا النوع من الأغاني إلى مساحة وسطية، فبدل أن يتخلى عن الرومانسية، أعاد صياغتها داخل هذا المنطق الجديد. فالأغاني التي قدمها عمرو دياب من كلمات حدوتة لا تقوم على الدراما العاطفية التقليدية، بل على فكرة لغوية ذكية تتحول إلى مساحة للغزل؛ بدأ بمتوالية عددية في "يا قمر" وتلاها بفكرة غزلية قائمة على تكوين الصفات والانتقاء في "قفلتي اللعبة"، ووصل إلى الذروة مع أغنية "الألوان" تحديدًا، حيث تصبح ألوان الفساتين مدخلًا لسلسلة من الجمل التي تتحرك بذكاء على وتر الغزل، أكثر مما تتحرك بين الاعترافات العاطفية المباشرة.
وربما لهذا السبب نجحت الأغنية في غزو منصات التواصل الاجتماعي، حتى مع وجود ملاحظات على بعض تفاصيلها، مثل تكرار نهايات الجمل بكلمة واحدة "خالص"، أو تفوق الجملة اللحنية الأولى بشكل كبير على اللازمة التي ينخفض معها مستوى الأغنية. فسر نجاح "الألوان" لا يكمن في اللحن، بل في الفكرة نفسها، وفي قابليتها لأن تتحول إلى مئات الاستخدامات المختلفة داخل الفيديوهات القصيرة. وهي ميزة أصبحت جزءًا أساسيًا من نجاح هذا النوع من الأغنيات.
ومع كثافة إصدارات شهر يوليو، فرض البوب الفرفوش حضوره بشكل كبير في سوق الأغنية المصرية. فحضر بألبوم تامر حسني أيضًا في ألبومه "مش هتكرر". أو تعاونه مع كريم أسامة والوايلي في أغنية "هو ده بقى".
علمًا أن الأمر مع تامر حسني يمثل حالة مختلفة قليلًا. فهو لم يصل إلى هذه المنطقة مع الموجة الحالية، بل كان يحتفظ بها داخل مشروعه منذ سنوات. كثير من الأغاني التي قدمها تامر حسني بألبوماته وفي أفلامه، كانت تعتمد على المواقف الكوميدية، وعلى شخصية خفيفة الظل، وأحيانًا على المبالغة المقصودة في الأداء.
ورغم أن "البوب الفرفوش" يمثل أحد أبرز التحولات التي يشهدها البوب المصري اليوم، فإنه لم يتحول بعد إلى الموجة المهيمنة. فما تزال أغاني البالاد العاطفية تشكل العمود الفقري لهذا المشهد، وتستحوذ على المساحة الأكبر في ألبومات معظم نجوم الصيف.
لكن كثافة حضور هذا النوع من الأغنيات خلال السنوات الأخيرة، وتكرار ملامحه لدى عدد متزايد من الفنانين والكتّاب، يجعلان من الصعب التعامل معه بوصفه مجرد موجة عابرة أو مجموعة من المصادفات المتشابهة. فهو يعكس تحولًا تدريجيًا في الطريقة التي تُكتب بها الأغنية، وفي ما ينتظره المستمع منها، حتى وإن ظل يعيش إلى جانب الأغنية العاطفية، لا على حسابها.
ولعل اسم البوب الفرفوش ليس التسمية النهائية لهذا الصوت، وربما تظهر في المستقبل صيغة أكثر دقة لوصفه. لكن ما يبدو واضحًا أن أحمد سعد، حين استخدم هذا المصطلح، لم يكن يطلق اسمًا على مشروعه وحده، بقدر ما كان يمنح عنوانًا لملامح موسيقية كانت تتشكل منذ سنوات. تيارٌ يمنح الفكرة مساحة تنافس العاطفة، ويبحث عن الابتسامة بقدر ما يبحث عن اللحن، وعن الأغنية التي تُتداول وتُقتبس، بقدر ما تُسمع وتُحفظ.






