على مدار أربعة عقود، لم يكن اسم حميد الشاعري مجرد توقيع على لحن أو توزيع، بل كان بوابة كاملة لدخول البوب العربي إلى مرحلة جديدة. قليلون نجحوا في إعادة تشكيل الذائقة الموسيقية كما فعل هو؛ صانعُ "الموجة" وعمودها الفقري، الرجل الذي أدخل الأصوات الإلكترونية إلى الأغنية المصرية والعربية دون أن يفقدها دفئها أو روحها الشعبية.
في هذا المقال، يعود فريق بيلبورد عربية إلى مجموعة من الأغنيات التي تُظهر جانبًا آخر من تأثير حميد؛ أعمال لم تكن دائمًا في الواجهة، لكنها تحمل كل ما جعل منه حالة موسيقية فريدة: الجرأة في المزج، الخفة الذكية، الحس الشعبي المرهف، وقدرته المتفرّدة على صناعة أصوات جديدة لفنانين مختلفين تمامًا. من جليلة إلى هشام عباس ومصطفى قمر، ومنيب وسيمون… هذه الأعمال ليست فقط “اختيارات فريق”، بل محطات تثبت أن إرث حميد أكبر بكثير من النجاحات التي يعرفها الجمهور.
جليلة - علمتني
بعيدًا عن الهيتات التي صنعها حميد الشاعري عبر مسيرته، وعن "شلته" ونجومه المعتادين، يستحضر ذهني دائمًا تعاونه مع جليلة. رغم أن اسمها لم يعد حاضرًا على الساحة الفنية اليوم، دون معرفة سبب ذلك، فإن بدايتها كانت قوية مع ألبوم "علمتني" الذي تولى حميد توزيعه بالكامل. قدمت جليلة الأغنية الرئيسية في الألبوم "علمتني" في كليب عرضته حينها على القنوات الفضائية. أسهم في تعريف الجمهور بها.
تعود كلمات الأغنية للشاعر الإماراتي إلياه، فيما تولى حميد الشاعري مهمة التلحين والتوزيع. صاغ حالة الألم الممزوجة بالتساؤل ببراعة نقلتها الكلمات مع أداء جليلة. وربما لهذا السبب ظلت الأغنية عالقة في ذاكرتي طوال ما يقارب الـ 20 عامًا بفضل ذلك المزج الدقيق بين اللحن والتوزيع الذي منح الكلمات بعدها العاطفي العميق. *من اختيارات نورهان أبو زيد
نوال الزغبي - الليالي
أصدرت نوال الزغبي أليوم الليالي سنة 2000، وقد اختارت الأغنية الرئيسية للألبوم أن تكون "الليالي" في اللحظة الأخيرة بعد أن سمعتها من الملحن محمد رحيم، وهي من كلمات خالد منير بعد وتوزيع حميد الشاعري. كما شارك بتوزيع أغنيتين هما "ناسيني ليه" التي كان من المفترض أن تكون عنوان الألبوم من كلمات سامح العجمي وألحان أشرف سالم، بالإضافة إلى أغنية "ما عندي شك" من كلمات نزار فرنسيس وألحان مروان خوري. كل هذه الأغاني مع نوال الزغبي وغيرها من الفنانين اللبنانيين مثل مايا نصري في "أخبارك إيه" ونانسي عجرم في "ماشي حدي"، كانت مثالًا على اتساع أثر حميد وامتداده عبر السنوات. *من اختيارات نورهان أبو زيد
بتكلم جد - حميد الشاعري وسيمون
تعد أغنية "بتكلم جد" لحميد الشاعري وسيمون من المحطات البارزة في تاريخ الأغنية المصرية الحديثة، خاصةً أن تعاون الثنائي جاء في وقت كانت فيه الصناعة تشهد موجة تطوير واضحة، مع التركيز على الإنتاج الموسيقي الحديث والتوزيع المتقن الذي شارك بتطويره حميد. ونجح في تقديم توزيع عصري يجمع بين الحداثة والروح الرومانسية للأغنية، بينما أضافت سيمون طبقات صوتها الدافئة والمليئة بالدلع.
حقّقت الأغنية انتشارًا وشهرة واسعة في التسعينيات، وما زالت تُعتبر من أبرز أعمال تلك المرحلة، ويربطها كثير من الناس بأجواء "نوستالجيا" زمن التسعينيات. ولم تقتصر أهميتها على ذلك الوقت، إذ استعادها جمهور جديد عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما منح "بتكلم جد" حياة ثانية، وأعاد المصريين للتفاعل مع تلك الفترة الموسيقية. *من اختيارات نور عز الدين
حميد الشاعري وهشام عباس - عيني
بالنسبة لي تمثل ثنائيات حميد الشاعري مع مصطفى قمر وهشام عباس واحدة من أنجح الثنائيات التي أنتجت هيتات قوية في مشهد البوب العربي. يمزج حميد الأفرو بوب بعناصر مختلفة تمامًا لا تربطها صلة واحدة مثل المزمار الشعبي من الموالد، والدرامز على إيقاع الرول العسكري، جاعلًا الأول بالخلفية الصوتية مع نوتة عالية، والثاني في طبقة موازية للطبقة الرئيسية حتى لا يكون مزعجًا أو خارج الإيقاع.
المزاوجة بين أداء الشاعري الأقرب للمناجاة بعدما يضاف إليه صدى الصوت، إلى جانب شجن صوت هشام عباس الذي سيلازمنا طوال الحديث عن هيتاته، يخلق حالة دفء تضيف منحى شاعري للهيتاية الراقصة. *من اختيارات يوسف علي
حميد الشاعري وهشام عباس - حلال عليك
التزم كل من حميد وعباس بمقاطعهما في "عيني" دون تداخل. قلبا الآية في "حلال عليك"، وتبادلا الأخذ والرد في شكل مرح دون ترتيب ثابت طوال مقاطع الأغنية. تنتقل حالة التداخل أيضًا في استعمال الآلات خالقة ثنائيات مثل ثنائيات كرة القدم الهجومية؛ الدربكة مع مؤثرات الهاي-هاتس والسنير، والأورج مع الأكورديون. وللاستدلال على طريقة الرقص الأنسب على تلك الأغنية ينصح بالرجوع للفيديو كليب الخاص بها. *من اختيارت يوسف علي
أحمد منيب - آه وآه
أسباب متعددة تجعل اختيار هذه الأغنية تحديدًا من مشوارٍ طويل وممتد لحميد الشاعري أمرًا ضروريًا. أولًا، لأن أشهر الأحاديث غالبًا يظهر فيها حميد بوصفه مغنيًا وملحنًا أكثر من كونه موزّعًا. ثانيًا، لأن الاتهام المتكرّر الذي يحمل جانبًا من الوجاهة، والمتعلّق بـ"الخِفّة" التي يضفيها حميد على معظم أعماله، يتحوّل هنا إلى مركز تفوق وقوة. وثالثًا، لأن هذه الخصوصية وهذا الحضور، الخفيف المرور والثقيل الأثر، لا ينفيان بروزة روح المغني أحمد منيب التي يصعب تكرارها.
عمل حميد مع أحمد منيب في توزيع عدد من الأغنيات، على رأسها -بالنسبة لي- أغنية "آه وآه" بكلماتها الصعبة التي كتبها فؤاد حداد، استلهمها غالبًا من لوحة "انتصار.. امرأة تتحول إلى قارب" لسلفادور دالي، ولحنها بالنفس النوبي غير المعتاد سماعه. التوزيع هنا أخذ على عاتقه تخفيف إيقاع الأغنية و"فرفشتها" بالقدر المثالي. اللحن الإقليمي بات يسهل سماعه مصريًا وعربيًا، والكلمات العصيّة على التفسير مثل: آه وآه ويا فرحة قلبي/ كنت طير وصبحت مراكبي/ بجناحين وحملت حبايبي". باتت تنقل بعض البهجة رغم عدم فهمها تمامًا. باللحن والكلمات بتنا نشارك بطل الأغنية مشاعره، بعدما أصبح "مراكبي" أي مسؤولًا عن خدمة حبيبته وفرحتها، بعد أن كان "طيرًا" أي لا يهتم سوى بسعادته الشخصية وحركته الخفيفة. هذا المجاز الصعب، الذي قد يترك شيئًا من الأسى والمسؤولية، خفّفه التوزيع من الشجن الذي قد يتركه، وبات مصدر نشوةٍ، فقط بسبب "الكابو". *من اختيارات حسام الخولي
عودة
الأغنية التي تُروى قصتها في سياق طريف، بعدما سعى حميد لانتزاعها من ملحنها مصطفى قمر عبر تحديه في لعبة كوتشينا ليظفر بها أخيرًا، يمكن رؤيتها في الواقع من زاوية أخرى كقصة مفرطة الرقة والحساسية. حميد الذي لم يقبل يومًا أن يقدّم نفسه كمغني -بل كظاهرة فنية- عرف منذ اللحظة الأولى التي سمع فيها لحن وكلمات "عودة" أنه يريد هذا العمل الفني لنفسه، وأن يرتبط باسمه تحت أي ظرف، فقام بغنائه بنفسه.
ولكن، وحتى إن لم يكن مغنيًا في المقام الأول، ناسبت "عودة" بهدوئها أسلوب أداء حميد، الذي يُشعرنا أن يردد صدى لأفكاره، لا كلمات سامح العجمي. ومن بين مئات ومئات الأغاني التي لحنها حميد أو وزّعها لنفسه ولسواه من الفنانين، والتي غيرت شكل أغنية البوب العربية إلى الأبد، ستبقى "عودة" هي دومًا مرادف اسم حميد في وجداني وإحساسي. *من اختيارات هلا مصطفى






