منذ الاستماع الأول للألبوم كاملًا، نشعر مباشرةً أن ويجز قد صنع عملًا يشكل نقلة نوعية في مسيرته، وإن كان ألبومه الطويل الأول فعليًا. ينبغي على المستمع هنا أن ينسف كل ما يعرفه عن ويجز في السابق، وكل التوقعات حوله، ويسمع من جديد على أرضية نظيفة.
بعد عدة استماعات أولى للألبوم بعد صدوره مباشرةً، يرتب لكم فريقنا أغاني الألبوم كما استقبلوها، من الأضعف للأقوى، وإن كنا مدركين أن تكرار الاستماع قد يخلق شعورًا مختلفًا حول بعض التراكات الـ 12 التي يضمها الألبوم.
باد دايز
رغم أنها من أفضل التجارب الصوتية في الألبوم، وقد اجتمع في تنفيذ إنتاجها المنتج الموسيقي المصري الرائد زولي تودور مونرو، لكن شيئًا في موضوع الأغنية وكلماتها يشعرك أنك دخل في حوار خاص بين ويجز وشخص ما، ولا علاقة لنا كمستمعين فيه، فلا حاجة لأن نكرر الاستماع. يتحدث النجم الشاب عم ثروته وأمواله والعلامات التجارية التي يشتريها، وكيف يتسبب كل ذلك بحقد وغل من حوله ممن يغيرون منه. موضوع نشعر ربما أنه يليق أكثر بأغاني محمد رمضان.
كبسولة
فاصل أو "Interlude" لطيف مع علامات البيانو وبضعة أقواس كمنجة، ترسي المزاج العام، وتمنحنا لحظة هدوء في منتصف الألبوم قبل الوصول إلى تراك "ماما أفريكا" الحيوي والمليء بالتفاصيل.
بيقولوا ما يقولوا
في "بيقولوا ما يقولوا" يتقمص ويجز بيرسونا المِعلم المخضرم ؛ مركزًا على جوانب في الصناعة تتعلق بالتعاقد والتعاملات التجارية تفسر خطواته وترد على الإنتقادات الموجهة له حول قلة الإصدار أو التواجد في بعض المحافل. نجد هنا شاب الورديان وقد تحول لكيان، خاصة في بار "أنا حوت يلا مش شاب بضبش".
غريبة مع زياد ظاظا
في أول تعاون يجمع ويجز بزياد ظاظا، قدم الثنائي تراك "غريبة" الذي جاء مختلفًا في مضمونه وموسيقاه. ويجز الذي كشف في حواره معنا كـ"نجم غلاف" شهر أغسطس، أن ألبومه الجديد يجسد 12 حالة شعورية تمثل عدد عقارب الساعة، اختار أن يبدأ التراك بأكثر هذه الحالات تناقضًا وواقعية: الشكوى من الزحام في الصباح والوِحدة في المساء.
ورغم أن التراك ينبض بإيقاعات إلكترونية راقصة وإنتاج صاخب، فإن كلماته تشي بشيء آخر تمامًا،وهي تناقضات الحياة بالإضافة لشكوى داخلية خافتة من الاغتراب وسط الحشود،هذا التناقض بين الجو الموسيقي الحركي والمحتوى العاطفي الكئيب هو ما يمنح "غريبة" تميّزها.
دي مع سافادج بلاج
تضفي بارات سافادج المتخمة بالتعبيرات العنيفة الحدة وتضعنا في حالة الصراع التي يواجهها ويجز من منافسيه في المشهد. الانتقال المباشر من فيرس سافادج لفيرس ويجز يذكرنا بالتناغم السابق بينهما في تراك "أسياد البلد" الصادر في "2020". وبالطبع يعطينا بار تبجحي مميز جديد ينضم لمجموعة باراته الرنانة بقوله "بس لازم يبقى في منكم/ الفارس يعمل إيه بدون فرس".
مظهر ومال
في تراك "مظهر ومال" يضع ويجز جزء من فلسفته الشخصية على الطاولة بلا مواربة. يغوص في تأملات قاسية وواعية حول الواقع الذي نعيش فيه، بداية من القرار بإلغاء الطيبة كما يقول محدثًا نفسه : "إلغي الطيابة / عشان مجوش غير عالغلبان".
اللازمة الرئيسية في التراك "دنيا مظهر ومال / قولي مين مبسوط / محدش ضامن نفسه / لا الظالم ولا المظلوم"، ليست مجرد توصيف للحال، بل اعتراف مرير بأن لا أحد في هذه الحياة يعيش الأمان الكامل لا من يمارس الظلم ولا من يتعرض له.
ويجز لا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح تحولًا داخليًا يبدو أشبه بسردية تتمثل في التخلي عن بعض المبادئ في سبيل البقاء وسط عالم تحكمه المظاهر والمادة. الأغنية تتحول إلى مرآة تعكس هذا الصراع لكنها في الوقت ذاته تُظهر حكمته المتراكمة، تلك التي جعلت من لقب "ويجز الحكيم" توصيفًا لا يبدو بعيدًا عن واقعه الفني والشخصي.
أفتر بارتي
بعكس الأغاني الختامية في الألبوم والتي تركز على الحالة التأملية فقط في قالب درامي، يتجرد ويجز من حالة الترفع عن الصراعات الهامشية والفرعية، ونراه جامحًا للمواجهة مهما كانت في المقطع الأول من التراك، خاصة في بار "تعالى نشوف مين أجمد". يستدعي التروما الشخصية العاطفية بإحالات إلى تراك "حورية" كمحرك لرد فعله الغير محسوب في البار التحذيري "عندي ديوك في دماغي جمب حورية بترقص". يأتي المقطع الثاني لينقل مزيجًا من الاستغراق النفسي في الآلام النفسية وأزمات الرحلة الموسيقية والتفاخر، فيعكس أدائه الغنائي الاستهلاك والإرهاق بينما اللحن مشحون بالحيوية.
خسرت الشعب
اختار ويجز أن يلخص حالته النفسية والمعنوية في دقيقة ونصف فقط، ضمن تراك "خسرت الشعب" وهو تحدي ليس سهلًا أن تكتب عن رحلة شعور تبدأ بالتفاخر والثقة بالنفس ثم تنقلب إلى حيرة وصراع مع الذات والمحيط، ورغبة لا تهدأ في تحقيق المزيد، كما يقول: "عملت كتير، دايمًا يجي في بالي أكتر".
لكن ما يميز هذا التراك فعلًا هو كيف ينتهي بحكمة شديدة البساطة والعمق: "زميلي، عمر ما الأغنية ما تعمل قيمة للإنسان". هنا نلمس فلسفة شخصية تجاه مشهد الراب تعكس وعي صاحبه بأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المستمعين أو التريند، بل بالرحلة الذاتية والتطور المستمر.
الأيام
لحظة صفاء وصدق من ويجز كنا نحتاج لسماعها لنفهم فعلًا أن "عقارب" هذا الألبوم تدلل على حالات شعورية مختلفة يشعر بها مع مرور الوقت. فبعد تراكات فليكسينغ ودراما وصراعات، كان لطيفًا أن نسمع اعترافًا صغيرًا: "كل الفرحة اللي في الدنيا كانت في إيديا وضَيّعتها" ثم يشاركنا المزيد من التفاصيل ويرسم مشهدية أوسع: "ولا غمض عيوني طول الليل، بقى ده العادي ونعمل إيه؟/ والناس نايمة ومش حاسين، وقلبي زي طير حزين". يضيف التراك إلى معجم الألبوم مفردات نسمعها للمرة الأولى، لتشي لنا عن جوانب ولحظات لا نعرف عنها شيئًا، يعيشها النجم ابن الـ 27 عامًا مع نفسه.
إزاي تفوتني
"شباب كله جراءة/ بغنوا بحرارة/ عشان الجيل مستنزف/ عشان بيعيشوا بمرارة" يعيدنا هذا التراك لأسلوب كتابة ويجز الغير تقليدي الذي جذبنا إلى موسيقاه في المقام الأول وأشعرنا أن لديه ما يقوله. يبدو هنا ويجز ناضجًا أكثر من أي وقت مضى، يختال ويتبجح لكنه يفهم أيضًا جيله وتحدياته والشعور الجماعي الذي يوحده بهم. يخبرنا كل ذلك على بيت حيوي، وكأنه يقول لنا: هذا هو الواقع، ولا مجال للدراما.
جيرل فريند
المحطة العاطفية الوحيدة في الألبوم، والتي يبدو أنها النسخة المحدّثة من أغنية "البخت". فبعدما غنّى لنا قبل ثلاث سنوات: "والله ووقعت بفكر فيك كتير بالي عليك مشغول/ وأنا بتصعب عليا حالي وأنا بكتبلك كمان معسول"، ليستكمل في "جيرل فريند" رحلة الحب الذي ينصهر فيه في سبيل الآخر: "أتعذب وأستاهل لو في يوم زعلتك/ وأنا اللي أقدر أسامحك من قبل آسف بتاعتك". ولعله أكثر تراك في الألبوم تتناسب فيه الإيقاعات والإنتاج الموسيقي مع الحالة العامة للكلمات، فبين الآر-أند-بي والآفرو، يصبح "الفايب" العام صيفي بامتياز ومتناغم مع ثيمة الحب المعذّب.
ماما أفريكا مع شي فايبز
السعي الفريد لدى ويجز لإكتشاف مناطق موسيقية جديدة دائمًا ما ينتج عنه تعاونات مميزة. في مشهد لا يوجد به الكثير من التعاونات مع مغنيي الغرب الأفريقي يقدم "ماما أفريقيا"، والتي تجمع بين التبجح والروح الساخرة الخفيفة.
تذكرنا بعض بارات الأغنية مثل "اصحي يا افريقيا"، وتقمص ويجز لأسلوب أداء تعبيري أكثر عالمية وحيوية، بأغاني أفلام بدايات الألفية. يبرع المنتج الموسيقي تيودور / تودور مونرو في استدعاء الآلات الوترية والنفخية الإفريقية بتوزيع إلكتروني يضعه في قالب موسيقى الأمبيانو. ونشعر ككل أننا أمام إصدار أصيل وجذاب يبرز بين أغاني الألبوم.