حين يُذكر مشهد الهيب هوب السعودي، يظل اسم كلاش حاضرًا بوصفه أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل. فبين انتقادات تطاله بعدم التجديد، ودعوات متكررة لتجاوز تجربته مع صعود موجة الهيب هوب الثانية بأساليبها المتنوعة وقواعدها المختلفة كليًا عن بدايات المشهد الخليجي، تخضع مسيرته باستمرار لإعادة التقييم والمحاسبة.
غير أن كثيرًا من هذه القراءات تتجاهل حقيقة أساسية: كلاش، قبل أن يكون رابرًا، هو أحد التكوينات الفنية والثقافية التي شقّت طريقها في المشهد بالطريقة الأصعب. حضوره لم يُبنَ على لحظة عابرة أو نجاح سريع، بل على مسار طويل بدأ في أواخر العقد الأول من الألفية، حين ظهر كظاهرة صوتية مجهولة الهوية، قبل أن يكشف عن نفسه في ظهوره التلفزيوني الشهير ببرنامج “أحمر بالخط العريض” مع مالك مكتبي، خارج حدود المملكة، ويحتل مساحة واسعة في خيال الشباب المتابعين لمنتديات الموسيقى آنذاك.
منذ بداياته، ارتبط كلاش بهوية واضحة تنتمي إلى مدينة جدة، متتبعًا التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشغل جيله، ومتحدثًا بلسان شوارعها وحواريها. وكان من المؤسسين الأوائل لفرقة “عيال الغربية”، التي ضمّت أسماءً لعبت دورًا محوريًا في تشكّل ملامح الهيب هوب المحلي.
أما الانتقادات الموجّهة لاعتماده المكثف على التراكات الهجومية والدِسات، ودخوله في بيفات متكررة، فتغفل أن الهجاء جزء أصيل من الثقافة العربية، لا طارئًا عليها. ومع أن بعض إصداراته قد تبدو نمطية أو متفاوتة المستوى، إلا أن ترسيخ المشاكسة اللغوية كعنصر مركزي في هويته أسهم في بناء علاقة خاصة مع جمهوره.
في هذه القائمة، نعود إلى مسيرة كلاش الممتدة لأكثر من عقدين، متتبعين أبرز تراكاته، في محاولة لفهم أسباب تماس تجربته مع مستمع الهيب هوب السعودي والخليجي، وتأثيرها المستمر رغم تغيّر المشهد.
أحبك
ارتبط تراك "أحبك" في وعي الجمهور بالسيرة الشخصية لكلاش في بدايات شبابه، واعتُبر من أوائل الأعمال التي دشّنت لديه أسلوب الكتابة القائم على السرد الذاتي والتصالح مع الذات داخل مشهد الهيب هوب السعودي. في الأغنية، يوجّه كلاش تحية مباشرة للأم بوصفها الركيزة الأساسية في بنية العائلة، كاشفًا عن الإحباطات والانكسارات والضغوط التي تُجبر على تحمّلها، لا سيما في علاقتها بأبناء يسلكون مسارات محفوفة بالمخاطر.
ترجم الفيديو كليب هذه الفكرة بصريًا عبر صورة قاسية تربط بين دخول أحد الشباب إلى السجن ومرض والدته الشديد نتيجة لذلك، ما عمّق الأثر العاطفي للأغنية. موسيقيًا، استند الإنتاج إلى اقتباس لحن أغنية "طمني عليك" لمحمد فؤاد، المأخوذ بدوره عن الأغنية التركية "Istanbul Olali" لسيزين أكسو. وقدّم كلاش الأغنية أداءً حيًا في برنامج "أحمر بالخط العريض"، في الظهور الذي كشف فيه عن هويته لأول مرة أمام الجمهور.
والحياة مستمرة
تطرق كلاش في تراك "والحياة مستمرة" الذي يعود لفترة ما بين 2007 و 2011 لمراحل النضج الأولى التي يكتشف فيها الشاب تنوع واختلاف مسارات الحياة. في سرد مسترسل وأداء هادىء يدخلنا في حالة الصدمة الناتجة عن انفضاض أمتن دوائر الصداقات التي عكف الإنسان على بنائها طوال فترة طفولته. كما يلقي الضوء على نشاطات المراهقين بالمناطق الشعبية في حارات جدة. بدأ كلاش في توثيق علاقته بمسقط رأسه في هذه الفترة، ليبدأ علاقة طويلة مع جمهوره يرونه فيها لسان حالهم وممثلهم في المملكة.
بلاك بيري
قبل صعود إنستغرام وتيك توك، وقبل تحوّل الموسيقى إلى أداة موجهة لصناعة “الترند”، كانت الاسكتشات الغنائية الساخرة إحدى أبرز وسائل التعبير عن الظواهر الاجتماعية الشبابية. انتشرت هذه الأعمال عبر منتديات الإنترنت وعلى الهواتف المحمولة بصيغ MP3 وMP4، ووجدت جمهورها الخاص. في قلب هذا المشهد، برز كلاش مع مجموعة "عيال الغربية"، وكان تراك "بلاك بيري" من أكثر إصداراتهم حضورًا. يرصد التراك، بأسلوب حكائي بسيط، رحلة شاب مع هاتف صُمم أساسًا لرجال الأعمال، من جهله التام بتقنياته إلى استخدامه كوسيلة للتعارف وتوسيع الدائرة الاجتماعية. لم يكن الهاتف مجرد أداة، بل ظاهرة اجتماعية أعادت تشكيل طرق التواصل، ونقلت جيلًا كاملًا إلى فضاءات افتراضية جديدة.
ما يدوم - مع إيريك وإل كيه
رغم أن تراك "ما يدوم" ينطلق من ثيمات مألوفة في أرشيف كلاش و"عيال الغربية"، مثل غدر البشر وتقلب النفوس، إلا أن قوته الحقيقية تكمن في اعتماده على وقائع ملموسة قريبة من الواقع اليومي. لا تميل كتابة كلاش هنا إلى المجاز الفضفاض، بل تستهدف نماذج محددة: صراعات الإرث بين إخوة يجمعهم الدم، ومحاولات التخريب المتعمد لمصادر رزق الآخرين، والنزاعات التي تحكمها المصلحة المادية قبل أي اعتبار إنساني. هذا التركيز على البُعد المادي يخلق حالة تنبيه لدى المستمع، ويجعل السرد أكثر جدية وحدّة، كأنه شهادة مباشرة على اختلالات اجتماعية مألوفة، لا مجرد حكاية أخلاقية عابرة.
100 بار - الكابوس
في تراك "100 بار – الكابوس"، يقترب كلاش بوضوح من تقاليد الهجاء في الشعر الجاهلي، عبر بناء عالم تخييلي كثيف يُسحب إليه الخصم عمدًا. تتجلى هذه المقاربة في الصور البصرية القاتمة واللغة المشحونة بمفردات ذات إحالات تاريخية مثل "تتربط" و"المملوك"، ما يمنح التراك طابعًا ملحميًا كابوسيًا. وفي قلب هذا البناء، يؤكد كلاش ارتباطه بالشارع في أحد أشهر باراته: "الراب عمره ما طلع من بيوت / الراب من الحارة يطلع لو طلع من بيت بيوت".
عُبيلة
يمثل تراك "عُبيلة" محطة أخرى في مسار الدِسات لدى كلاش، ويجسّد في الوقت نفسه أبرز ما يُحسب له وما يُؤخذ عليه نقديًا. فهو يلتزم بالصيغة الكلاسيكية للدِس العربي، المعتمدة على الفخار والتباهي ووصف الخصوم بالجبن والتخاذل. إلا أن كلاش يضيف هنا بُعدًا أكثر سخرية. هذا التكثيف في الصور الوصفية يخلق إحساسًا دائمًا بالتهديد والقلق، وهو أحد أكثر أساليب “الحرب الذهنية” فاعلية في تاريخ البيفات، عربيًا وعالميًا. لاحقًا، ستتبلور النسخة الأكثر نضجًا من هذا الخط في تراك "درب المهالك"، سواء على مستوى السخرية التقليلية أو اللعب على القوافي والتلاعب اللغوي.
باقين - بالتعاون مع بيج إس بي
يُعد تراك "باقين" من المحطات النادرة التي يخفف فيها كلاش من حدّته المعتادة، ليقدّم مراجعة هادئة لمسيرته وتصالحًا واضحًا مع الطريق الذي اختاره داخل مشهد الهيب هوب السعودي. يعترف هنا بأن خلافاته الفنية، رغم جديته في خوضها، لا تخرج في جوهرها عن إطار لعبة تنافسية، ويذهب أبعد من ذلك حين يوجّه تحية حتى للكارهين، معتبرًا أنهم كانوا جزءًا من تطوير مستواه.
سين جديد
بعد تراجعه عن قرار الاعتزال، عاد كلاش بمبادرة مختلفة عبر سايفر "سين جديد"، واضعًا نفسه في موقع الداعم لا المتصدر. المبادرة عكست جانبًا لطالما حضر في مسيرته، وهو مساندة الرابرز الآخرين وفتح المساحات أمام الأصوات الجديدة والقديمة على حد سواء. اللافت أن الاختيارات جاءت من بيئات رقمية ومساحات نشأت خارج الإطار الرسمي، في استعادة رمزية لدور المنتديات والإنترنت التي شكّلت الموجة الأولى للهيب هوب السعودي. شارك في السايفر شوزان، إس كيه آر، أبو نفا، ليجيند، عمار راب، ولاتينو إكس، في مشهد جماعي يعيد التأكيد على فكرة المشهد بوصفه كيانًا متكاملًا لا فرديًا.
يا اتي ما شا الله - مع صالح القرني وهاني الشيباني ولوديا ومروة سالم
يرتبط جزء كبير من الذاكرة الشعبية الجداوية بكرة القدم، وهو ما يجعل مشاركة كلاش في الأغنية الجماعية احتفالًا بتتويج نادي الاتحاد بالدوري السعودي خطوة منسجمة مع مسيرته وهويته المحلية. في هذا العمل، يستدعي كلاش الروح التنافسية الشرسة التي ارتبط بها النادي منذ تأسيسه كممثل للمدينة الساحلية، مسلطًا الضوء على صورة الفريق كمنافس يصل إلى مكانته بصعوبة ولا ينال دائمًا ما يستحقه من احتفاء.
كبار مجال - مع إم سي أمين
يختار كلاش تعاوناته خارج السعودية بحذر، وهو ما بدا واضحًا في تعاونه مع الرابر المصري إم سي أمين، أحد رموز الموجة الأولى للهيب هوب المصري. جاء تراك "كبار مجال" قائمًا على التباهي المتبادل واستعراض الانتماء المكاني، بين جدة والمنصورة، في لقاء بين تجربتين تشتركان في الخلفية الثقافية ذاتها. بعد خمس سنوات، أعاد كلاش اختبار هذا المسار بالتعاون مع المنتج التونسي تيكا تيكس ضمن مبادرة "32 بار" في برنامج أدرينالين، حيث استثمر اللحن التجريبي والتحولات السريعة ليظهر في صورة اللاعب المخضرم القادر على التكيّف مع مساحات جديدة.
طحسنيزم - مع عيال الغربية
لا تكتمل أي قراءة لمسيرة كلاش دون التوقف عند "طحسنيزم"، التعاون الجماعي مع فرقة عيال الغربية. شكّل هذا التراك جسرًا واضحًا بين ثقافة الهيب هوب التي نشأ عليها شباب الموجة الأولى في مساحات هامشية ومغلقة، وبين الطفرة الحالية للمشهد. يبرز كلاش هنا بالحماس ذاته الذي عُرف به في بداياته، مؤكّدًا استمرارية العلاقة بين هويته الفنية وجذورها الأولى.






