مضى عام منذ فراق زياد الرحباني، عامٌ أدركنا فيه أن الفن لا يرحل برحيل أصحابه. ترك لنا زياد إرث لا يأكله تاريخ ولا يختزله زمن، ممتدًا في جملة موسيقية طويلة لا تنتهي، فما زال العالم يردّد أعماله بذات الشغف وكأنه حاضر بيننا.
لسنواتٍ طويلة، ارتبط اسم زياد تلقائيًا بالسيدة فيروز، الصوت الذي رافقه منذ طفولته وحتى آخر محطاته، من خلال تجربته معها أعاد تعريف صوتها وقدمه بروح أكثر حداثة وجرأة. وفي الوقت نفسه، لم يحصر زياد تجربته ضمن هذا الثنائي، بل فتح أبوابًا واسعة أمام أصوات أخرى سواء من جيله أو من أجيال لاحقة، مؤمنًا بقدرتها على حمل روحه الموسيقية، سواء كانت مع مواهب صاعدة أو أسماء معروفة في المشهد الفني، متجهًا بثقة نحو تجارب فريدة راهن فيها على المختلف كما لم يفعل كثيرون. فحوّل تعاوناته إلى مساحة لاكتشاف الأصوات الفريدة والمختلفة والعازفين الموهوبين وتكريس بصمته فيها، إليكم أبرز الأعمال المشتركة التي جمعت زياد مع الفنانين عبر مسيرته.
جوزيف صقر
كان جوزيف صقر يغني في كورس الرحابنة إلى جانب مروان محفوظ وآخرين، عندما سمعه زياد في أحد الأيام يغني منفردًا، فوقع في حبّ صوته على الفور ورأى فيه ما وصفه بالحنجرة التي كانت تنقصه ليقول ما يريد.
من تلك اللحظة، تحوّل جوزيف إلى الصوت الحاضن لمعظم ما كتبه زياد، فجسّد شخصية "نخلة التنين" في "سهرية"، و"بركات" في "نزل السرور"، و"رامز" في "بالنسبة لبكرا شو"، حاملاً أشهر أغانيهم الثنائية مثل "اسمع يا رضا" و"مربى الدلال"، وأغنية "ع هدير البوسطة" التي غنتها فيروز لاحقًا، لتصبح واحدة من أشهر أغانيها، مرورًا بأغنية "عايشة وحدا بلاك" التي غنّياها معًا، قبل أن يتوّجا مسيرتهما المشتركة بألبوم "بما إنو" عام 1996، وهو العمل الوحيد الذي خصّه له زياد بالكامل من ألحانه وكلماته.
وبلحظة قاسية، رحل جوزيف صقر عام 1997، وفي سؤال لزياد عن مدى تأثير فقدانه أجاب بإحدى اللقاءات مختصراً أنه لا أحد يمكن أن يحل محل جوزيف، لا في حينها ولا بعدها.
لطيفة
في مطلع 2006، تركنا زياد الرحباني نترقب إصدار أسطوانة فيروز الجديدة لأغاني ألبوم "في أمل" التي غنتها في حفلة بيت الدين، ثم أطلّ علينا بمفاجأة غير متوقعة، هذه المرة مع لطيفة التونسية صوت من خارج الحدود اللبنانية لديه حضور مميز في البوب العربي بما يكفي للفت انتباه زياد الذي أثنى على موهبتها وفرادة صوتها في أكثر من مقابلة.
شكّل لقاء لطيفة مع زياد الرحباني في ألبوم "معلومات أكيدة" محطة مختلفة في مسيرة الطرفين؛ وجد زياد في صوت لطيفة خامة واسعة المدى للعب الموسيقيّ. فاستغل مساحة صوتها ببراعة مشاركاً في إنتاج سبع أغاني من أصل عشرة في الألبوم كتابةً وتلحينًا وتوزيعًا، متنقّلا بين مقام باخي أنيق في "نفّد عبكرة"، وتخت شرقي أصيل في "أمنلي بيت"، وإيقاع حيوي في "بنص الجو" التي أكلت الجو فعليًا وقت صدور الكليب.
تعاون زياد مع 17 عازف في الأغاني التي سجلت داخل استوديو زياد في بيروت، بمرافقة أوركسترا مدينة يريفان الأرمنية، لتشكّل هذه التجربة محطة استثنائية أضافت إلى مسيرة لطيفة لونًا موسيقيًا لم تختبره من قبل.
سلمى مصفي
"مين هيدي البنت؟ حدا بيعرفا؟" هكذا سأل زياد حين سمع صوت سلمى مصفي في 1986 وهي تغني في فرقة صغيرة، فقال عنه إنه "صوت لا يشبه أي صوت"، ليتحول هذا اللقاء مع الوقت من علاقة عمل إلى صداقة امتدت لعقود.
شاركت سلمى في أبرز محطات زياد المسرحية والموسيقية، من "العقل زينة" إلى "بالنسبة لبكرا شو" و"لولا فسحة الأمل"، ومن أدائها إلى جانب جوزيف صقر في "بما إنّو" إلى حضورها الصوتي في أعمال أخرى امتدت لسنوات.
كان زياد هو من جعل سلمى تغني بالعربية لأول مرة، حين طلب منها ذلك في أول تسجيل جمعهما على لحن جو سامبل "روح خبر"، بعدما اعتادت الأداء بالإنجليزية مع فرقتها. ثم جاء عام 2001 ليجمعهما في تجربة مختلفة، حين اقترح عليها زياد إنتاج ألبوم باسمها هدفه المتعة والتجريب، فأنتجا لنا "مونودوز"، حاملًا الأغنية الشهيرة "ولعت كتير" التي كتبها زياد محاكيًا فيها علاقته الطويلة بالممثلة كارمن لبس وغنّياها سويًا، وأغنية "أن فير شي نو" التي أصدر لها كليبًا مصورًا، وأغنية "ما بتفيد"، إضافة إلى سبع أخرى بالألبوم.
وصفت سلمى تجربتها مع زياد لاحقًا بأنها غيّرت نظرتها إلى الموسيقى والعمل الفني ذاته، قائلة في إحدى مقابلاتها: "زياد إنسان كتير قريب وقدر يجمع الأجيال".
ماجدة الرومي
جمعت زياد الرحباني وماجدة الرومي محطة فنية قصيرة تعود إلى بداياته، قبل أن تتشكل ملامح عالمه الموسيقي. ورغم حضور الاسمين في المشهد اللبناني، ظلت المسافة بينهما مختلفة عن علاقاته الفنية الممتدة مع أصوات أخرى، إذ لم تتحول هذه المحطة إلى أي تعاون مكرر أو مشروع مشترك طويل الأمد.
كان لقاؤهم الأوحد عبر تراتيل كتبها زياد في سنواته الأولى ومنها "كيرياليسون" و"طوبى للساعين إلى السلام"، اللتان غنّتهما ماجدة الرومي ويُروى أن زياد ابن 19 حينها، أشرف بنفسه على تدريب ماجدة الرومي على ترتيلة "كيرياليسون" على بيانو والدها حليم الرومي . سُجّلت هذه الأعمال في استديو ببعلبك، وصدرت عام 1977 ضمن أسطوانة محدودة النسخ حملت عنوان "كيرياليسون".
وبعد سنوات، وجد منصور الرحباني، في هاتين الترنيمتين قيمة روحية وفنية دفعته إلى إعادة توظيفها ضمن عمله الكبير "القداس الإلهي الماروني" في مطلع الألفية الجديدة لتبقى هذه المحطة من أندر التجارب التي التقى فيها صوت ماجدة بعالم زياد الموسيقي، قبل أن يتجه كل منهما لاحقًا إلى مسار فني خاص به.
سامي حواط
إلتقى زياد وسامي عبر مجموعة أصدقاء جمعهم واقع البحث عن وطن حقيقي. كان سامي قد أمضى أربع سنوات يدرس الصولفيج في الكونسرفتوار الوطني على يد كبار الأساتذة قبل هذا اللقاء، ليجد فيه منعطفًا حوّل مسيرته نحو الغناء الملتزم.
جمعته بزياد تجربة مسرحية طويلة قبل أن تتحول إلى مشروع غنائي مشترك، فشارك في مسرحياته "نزل السرور" و"بالنسبة لبكرا شو" و"فيلم أميركي طويل" و"شي فاشل"، حاملًا في أدائه سخرية خفيفة الظل لا تهاب التابوهات. وفي منتصف الثمانينيات، غنى حواط من كلمات وألحان زياد في "أنا مش كافر" 1984 و"هدوء نسبي" 1985، جمع الألبومين أغاني محمّلة بأبعاد طبقية ووطنية واضحة، من أبرزها "صمدوا وغلبوا". كما بقيت أغنية "بلا ولا شي"، المعروفة بـ"حب يساري"، من أكثر ما ارتبط باسم حواط من ألحان زياد.
مروان محفوظ
في مكتب الملحن جورج كفوري، حيث كان يُحضَّر لعمل بعنوان "ضيعة الحزازير"، جمع اللقاء الأول بين زياد الرحباني، الذي لم يكن قد بلغ السادسة عشرة بعد، ومروان محفوظ.
لحّن زياد قسمًا كبيرًا من ذلك العمل، فغنّى محفوظ من ألحانه "قلبك بعدو زغير"، ثم توالت الأغنيات: "لوما حبيتك لوما" و"يا حلوة يا ست الدار". أما الأغنية الثالثة، فكانت لحنًا وضعه زياد أصلًا لمروان محفوظ قبل أن يسمعه عاصي الرحباني ومنصور، فيطلبا من زياد أن يقدّمه لفيروز بدلًا منه، لتصبح "سألوني الناس" واحدة من أشهر أغاني فيروز، بعدما كانت في الأساس مخصصة لمحفوظ.
وحين أصيب عاصي بجلطة دماغية أدخلته المستشفى أشهرًا، عاد زياد ومحفوظ إلى بروفات مسرحية "المحطة"، حيث شارك زياد في أعمال التوزيع. توّجا تعاونهما لاحقًا حين منحه زياد دور البطولة في مسرحية "سهرية" عام 1975 إلى جانب جورجيت صايغ وجوزيف صقر، ولحّن له فيها أغنية "يا سيف عالأعدا طايل" التي تحوّلت لاحقًا إلى نشيد يُغنّى في المناسبات الوطنية والحزبية، إلى جانب "خايف كون عشقتك وحبيتك". كما غنّى محفوظ من ألحان زياد أغنية "حدا من اللي بعزونا"، التي أعاد زياد إحياءها لاحقًا بصوت حازم شاهين في حفلة حراجل عام 2018.
مادونا
حين غابت الممثلة جاكلين بايكر فجأة عن دور البطولة في مسرحية نزل السرور عام 1974 حلّت ملحّها كانت مادونا عرنيطا (الليدي مادونا)، ابنة أخت الفنان فرناندو عرنيطا، لتؤدي دورها ضمن فرقة مسرحية هاوية كانت تعيد تقديم أعمال الأخوين رحباني في احتفالات مار تقلا السنوية في بقنايا.
ومن بعد هذه التجربة، جمعت مادونا بزياد تعاونات متفرقة، أبرزها أغنية "كيفك" التي خرجت عن المألوف شكلًا ومضمونًا، إضافة إلى مشاركتها بصوتها في ألبوم التراتيل الدينية "كيرياليسون" الذي لحّنه ووزّعه زياد. وبقيت مادونا، التي بدأت مسيرتها الغنائية في إذاعة "صوت لبنان" ودرست أصول الموسيقى في الكونسرفتوار الوطني، واحدة من الأصوات التي رافقت مسيرة زياد المبكرة.





