أطلت صابرين النجيلي على الجمهور في موسم رمضان الجاري بوجه جديد، إذ خاضت تجربتها التمثيلية الأولى من خلال مسلسل "اتنين غيرنا" في خطوة بدت لافتة ضمن مسار فني اعتاد الجمهور أن يراها فيه كمطربة قبل أي شيء.
ورغم أنها لم تخضع – بحسب تصريحاتها – لأي ورش أو تدريبات تمثيلية، فإن حضورها في العمل جذب انتباه المشاهدين، وطرح سؤالًا أوسع حول تعدد مواهبها وقدرتها على الانتقال بين الغناء والتمثيل بسلاسة.
ولم يبتعد الدور كثيرًا عن هويتها الموسيقية، إذ تضمن مشاهد تعكس شغف الشخصية بالغناء ودندنتها في أكثر من لحظة، قبل أن يُختتم العمل بدويتو جمعها للمرة الأولى بالفنان محمود العسيلي بعنوان "أخيرًا".
لكن قبل هذه الإطلالة الدرامية، كيف تعرف الجمهور أصلًا إلى صابرين النجيلي في بداياتها الغنائية؟
صابرين النجيلي وبدايات طربية ولافتة
تعود البداية إلى عام 2013 عندما ظهرت في الموسم الثاني من برنامج اكتشاف المواهب "أراب آيدول". خلال تجارب الأداء، اختارت أن تقدم مقطعًا من أغنية "اسأل روحك" لكوكب الشرق أم كلثوم، وهو اختيار مبكر عكس ميلها الواضح إلى المدرسة الطربية. يومها لفت صوتها انتباه لجنة التحكيم التي ضمت نانسي عجرم وأحلام الشامسي وراغب علامة وحسن الشافعي، إذ بدت واثقة ومتزنة في أدائها رغم أنها لم تتجاوز العشرين عامًا آنذاك.
ورغم ذلك، لم تتمكن من الوصول إلى المراحل النهائية وهو ما ترك لديها شعورًا بالإحباط لفترة، كما تسبب خروجها في بعض الخلافات في وجهات النظر وقتها بين أحلام و راغب علامة الذي كان متمسكًا بإعطائها فرصة أخرى. وقد صرحت لاحقًا في إحدى المقابلات بأن التجربة، رغم تعريفها للجمهور بها، لكنها لم تمنحها تصورًا واضحًا للخطوة التالية في مسيرتها، حتى إنها قالت إنها لو عاد بها الزمن ربما لم تكن لتشارك في برامج المواهب. غير أن دعم أسرتها وتمسكها بالغناء ساهما في تجاوز تلك المرحلة واستعادة ثقتها في مشروعها الفني.
لاحقًا لعب صوتها الطربي دورًا أساسيًا في تثبيت حضورها على المسرح، إذ قدمت حفلات في أكثر من دار أوبرا داخل مصر من بينها بمسقط رأسها بدمنهور، أعادت خلالها إحياء عدد من أغنيات الزمن الجميل التي تعتمد على الطرب الأصيل. كما شاركت في عدد من الفعاليات الوطنية، واعتلت مسرح مهرجان الموسيقى العربية في دورته ال 29 حيث قدمت مجموعة من الأعمال الكلاسيكية، من بينها أغنية "مادام تحب بتنكر ليه"لأم كلثوم في محاولة لتأكيد انتمائها إلى مدرسة الغناء الطربي حتى وهي تخطو اليوم نحو آفاق فنية جديدة.
خطوة جدية نحو الأغنيات الأصلية
في بدايات عام 2020 اتخذت صابرين خطوة مختلفة في مسيرتها بإصدار أولى أغانيها الأصلية بعنوان "بتستقوى" وهي تجربة كشفت من خلالها عن جانب إبداعي آخر يتمثل في الكتابة والتلحين، بعدما قدمت كلماتها ولحنها بنفسها.
جاءت الأغنية في إطار بوب درامي حزين، مبتعدةً عن اللون الطربي التقليدي الذي اعتادت تقديمه في حفلاتها وبداياتها الغنائية، وحملت الأغنية حالة من الحزن المكتوم الناتج عن فراق الحبيب، بينما جاء التوزيع هادئًا يعتمد على البيانو بشكل أساسي مع حضور لافت لآلة الناي في الفواصل الموسيقية.
وبنفس الإصرار، عادت في عام 2021 لتصدر ثاني أغانيها "لسه بخير" وهي أيضًا من كلماتها وألحانها فيما تولى توزيعها حاتم نصر. ويمكن النظر إلى الأغنية بوصفها امتدادًا شعوريًا لأجواء "بتستقوى" إذ تبدو وكأنها فصل ثان في الحكاية نفسها، فبطلة الأغنية ما زالت تحمل جرحها، لكنها تؤكد قدرتها على الاستمرار ومواجهة الحياة رغم الألم، تاركة حقها إلى العدالة الإلهية.
صابرين تغني عن الغدر والخيانة ولكن بقوة
في عام 2022 كان الجمهور على موعد مع نقطة تحول لافتة في مسيرتها من خلال أغنية "هتجيبوا سيرتي" التي حققت للمرة الأولى ملايين المشاهدات على منصة يوتيوب. جاءت الأغنية مختلفة كليًا عما قدمته سابقًا، وكأنها تعيد تقديم نفسها للجمهور بصورة جديدة، مع احتفاظها في الوقت نفسه بدورها كمؤلفة وملحنة للعمل بينما تولى التوزيع حاتم نصر.
تنتمي الأغنية إلى اللون الشعبي المصري، إذ تبدأ بهدوء أقرب إلى الموال، تستعرض فيه صوتها وهي تغني عن الغدر والألم قبل أن تتحول موسيقيًا وكلمات إلى حالة أكثر قوة وتحديًا في مقطع يقول:"هتجيبوا سيرتي في غيبتي ولا بيهمني / لو ألف منكم طعنوا ولا يهزني"، بعد ذلك تنتقل إلى مساحة أكثر حدة تعاير فيها من خانها بمفردات مستمدة من الشارع المصري، بينما يهيمن صوت الأورغ وعناصر الموسيقى الشعبية على التوزيع.
لاحقًا، واصلت صابرين اختبار مساحات موسيقية مختلفة، فأصدرت عددًا من الكوفرات باللهجة الخليجية، لتؤكد قدرتها على أداء هذا اللون إلى جانب الطرب واللون الشعبي. وكان من بين الأعمال التي أعادت تقديمها أغنية "ناديت" للفنان عباس إبراهيم، وهي واحدة من الأغنيات التي ارتبطت بذاكرتها الموسيقية منذ الصغر، في محاولة تعكس تنوع مرجعياتها الفنية وتفتح لها أبواب جمهور أوسع.
صابرين و نجاحات متتالية
التحول الأكبر جاء في عام 2024 مع أغنية "إنت مين" التي مثلت ما يشبه الانفجار الحقيقي في مسيرتها. فقد قدمت من خلالها أول فيديو كليب لها بإخراج أحمد علاء الجندي، ظهرت فيه بصورة استعراضية أكثر حيوية مقارنة بأعمالها السابقة. الأغنية بوب خفيفة ومبهجة بإيقاعات راقصة، تتغزل فيها بالمحبوب، وهي أيضًا من كلماتها وألحانها بينما تولى التوزيع يوسف حسين. ومنذ صدورها وحتى الآن تجاوزت الأغنية الـ 15 مليون مشاهدة على يوتيوب كما انتشرت بشكل واسع عبر مقاطع الفيديو القصيرة على التيك توك.
ولم يتوقف صداها عند الجمهور العربي، إذ دفعت موجة نجاحها مطربة يونانية تُدعى رايا إلى التواصل مع صابرين لطلب إعادة غنائها باللغة اليونانية وهو ما وافقت عليه الأخيرة، ليحقق العمل صدى لافتًا هناك أيضًا، في مؤشر جديد على اتساع أفق تجربتها الفنية.
جاء نجاح أغنية "قلبي دق دقة" ليؤكد أن تجربة صابرين النجيلي الفنية ليست وليدة الصدفة، ولا يمكن اختزالها في فكرة الأغنية الواحدة الناجحة، فالأغنية عززت حضورها كصاحبة مشروع فني متكامل، خصوصًا مع استمرارها في كتابة وتلحين أعمالها بنفسها، إلى جانب تعاونها مع الفريق نفسه الذي شارك في نجاح العمل السابق على مستوى التوزيع الموسيقي والإخراج.
وقد كشفت صابرين في تصريحات لها أن هذه الأغنية كتبتها قبل سنوات، وكانت تتخيل في البداية أنها قد تكون مناسبة للفنانة هيفاء وهبي، نظرًا لأنها كانت وقتها تميل إلى تقديم لون طربي أكثر كلاسيكية. لكن مع تطور توجهها الفني شعرت أن الأغنية تعبر عنها بشكل أكبر، فقررت تلحينها وغنائها بنفسها، لتصبح واحدة من أبرز محطاتها الناجحة. كما أظهر أداؤها في الأغنية سواء صوتيًا أو أمام الكاميرا، ملامح من قدرتها التمثيلية، وهو ما بدا كأنه تمهيد غير مباشر لخطوتها الدرامية لاحقًا.
تنوع لافت بأغنيات تناسب مختلف المناسبات
في عام 2025 واصلت صابرين نشاطها الفني بإصدار أغنيتين، الأولى بعنوان "موافقة نتجوز" وهي أغنية رومانسية خفيفة بطابع احتفالي يلائم حفلات الزفاف والمناسبات السعيدة، بينما جاءت الأغنية الثانية "ابن باشا" في إطار غزلي مرح، تتغزل فيها بحبيبها على إيقاع المقسوم، ومن خلال الفيديو كليبات الخاصة بهذه الأعمال، بدا واضحًا أنها أصبحت أكثر ارتياحًا في التعامل مع الكاميرا وأداء المشاهد التمثيلية داخل الأغنية.
وربما كان هذا الحضور هو ما دفع الكاتبة رنا أبو الريش إلى التفكير فيها لدور وفاء في مسلسل "اتنين غيرنا" بعدما رأت فيها ملامح مناسبة للشخصية، لتسألها عن استعدادها لخوض تجربة التمثيل إذا ما عُرض عليها دور مناسب وهو ما قوبل بموافقة صابرين.
عام جديد و نشاط فني ملحوظ
استهلت صابرين عام 2026 بأغنية شتوية حزينة بعنوان "كان ليك مكان"وهي أغنية تعكس لحظة عاطفية متأرجحة بين الحسم والحنين، فبطلة الأغنية تعلن نهاية قصة حب لكنها لا تبدو وقد تجاوزت المشاعر بالكامل بعد، بل تدرك فقط أن النهاية أصبحت حتمية. ورغم انشغالها في الفترة نفسها بتصوير مسلسل "اتنين غيرنا" فإنها واصلت الترويج للأغنية. كما انتشر مقطع على تيك توك ظهرت فيه الممثلتان نور إيهاب ودينا الشربيني وهما تستخدمان الأغنية في أحد الفيديوهات في لفتة دعم لموهبتها الغنائية.
من النظرة الأولى يمكن ملاحظة تباعد وتيرة الإصدارات في مسيرة صابرين النجيلي، خصوصًا إذا ما قورنت بفنانة ما تزال في بداياتها، إذ اعتادت إصدار أغنية واحدة تقريبًا كل عام. غير أن هذا الإيقاع البطيء يبدو مفهومًا إلى حد كبير إذا ما وضع في سياق كونها فنانة مستقلة تنتج أغانيها بنفسها، فحتى مع توليها كتابة وتلحين أعمالها بنفسها تبقى بقية عناصر الإنتاج -من توزيع موسيقي وتسجيل وآلات حية- عناصر مكلفة نسبيًا مما يجعل كل إصدار خطوة محسوبة بعناية.
وقد كشفت مؤخرًا بكل الأحوال عن طموحها لتقديم عمل استعراضي غنائي في المستقبل تستثمر فيه مختلف إمكاناتها الفنية، كما أعلنت منذ أيام عن أغنية جديدة تحمل عنوان "دلعنا" من المقرر صدورها خلال عيد الفطر، في مؤشر واضح على حالة من النشاط الفني المتصاعد في مسيرتها خلال الفترة الأخيرة.






