نجح ذا دو مؤخرًا في اقتناص انتباه الجمهور مدفوعًا بالانتشار المتسارع لأغنيته "شبت نار" عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الاستماع. وعلى الرغم من أن الأغنية طُرحت قبل نحو 6 أشهر، فإن ذروة رواجها لم تتبلور إلا خلال الأسابيع القليلة الماضية حيث تحولت إلى تريند واسع تبناه المؤثرون والجمهور من خلال مقاطع الرقص وإعادة التوظيف.
ولم يقتصر هذا الزخم على المستخدمين العاديين، بل امتد ليشمل لاعب النادي الأهلي السعودي إيفان توني الذي ظهر في أكثر من مقطع وهو يردد بعض بارات التراك في دلالة واضحة على إعجابه به ومدى تغلغل التراك وانتشاره.
لكن قبل الغوص في تفاصيل هذا النجاح يفرض سؤال نفسه: كيف مهدت مسيرة ذا دو الطريق لهذا التألق؟
ذا دو بدايات وشغف بالموسيقى
منذ بداياته في عام 2019 يتعامل ذا دو - واسمه الحقيقي نواف- مع الموسيقى كمساحة لإعادة تشكيل الذات ومطاردة الطموح، مقدمًا صوتًا يعكس صدقه وقسوته في آن واحد. وتتقاطع مرجعياته بين أسماء عالمية مثل كيندريك لامار ومايكل جاكسون وأصوات سعودية راسخة مثل رابح صقر وعبد المجيد عبدالله، وهو ما ينعكس في موسيقى لا تكتفي بجاذبيتها السمعية، بل تسعى أيضًا إلى إثارة استجابة شعورية لدى المستمع.
التعاونات بوابة النجاح
جاءت البدايات الفعلية لذا دو عبر قنواته الرسمية من خلال تعاون مع دي جي مبارك في تراك "Hey Lady" عام 2022 على إيقاعات الأفروبيت التي كانت آنذاك في ذروة انتشارها عالميًا. ومنذ هذه المحطة المبكرة، بدا ميله إلى المزج السلس بين العربية والإنجليزية واضحًا، في محاولة لخلق خطاب موسيقي عابر للحدود.
يحمل التراك ملامح سردية مزدوجة، إذ يتحرك في مسارين متوازيين: يعبر دي جي مبارك عن هشاشته العاطفية بعد علاقة انتهت كاشفًا عن تعلق لم يُحسم بعد، بينما يظهر ذا دو على النقيض أكثر ثباتًا، وغزلًا. ورغم أن العمل لم يحقق انتشارًا واسعًا على مستوى الأرقام فإنه يظل بداية لافتة تكشف مبكرًا عن ملامح مشروع فني كان لا يزال في طور التشكل، لكنه يحمل بذور تميزه
محاولات البحث عن هوية فريدة
بعد ذلك اتجه ذا دو إلى تقديم أعمال منفردة بالتعاون مع عدد من المنتجين الموسيقيين، من بينهم بيج مو، حيث بدأت ملامح صوته الخاص تتبلور بشكل أوضح. برز ذلك في تراك "ماشوف" الذي حمل طابعًا شخصيًا حادًا لدرجة أنه دفع أحد الحضور في إحدى حفلاته إلى البكاء، لحظة كشفت له بشكل مباشر حجم التأثير العاطفي الذي يمكن أن تحققه موسيقاه، وكانت بمثابة دافع للاستمرار في تطوير أدواته الفنية.
ومع ذلك اتسمت هذه المرحلة بنوع من التباطؤ في وتيرة الإصدارات وعدم انتظامها، وهو ما انعكس على حضوره في المشهد واستمر هذا التذبذب حتى الوصول إلى عام 2024.
استمرارية بوتيرة ثابتة
شهد عام 2024 تحولًا ملحوظًا في مسيرة ذا دو من حيث كثافة الإصدارات، إذ قدّم عددًا من التراكات من بينها "بس أنسى" و"دايم معاي" و"توني مونتانا" متنقلًا بسلاسة بين مساحات الهيب هوب و آر-أند-بي في محاولة لتوسيع نطاقه الصوتي وتأكيد مرونته الفنية. وخلال العام، طرح نحو سبعة أعمال اختتمها بتعاون مع جيبلا في تراك "على باله" الذي حمل في بعض مقاطعه ملامح من الراب الأولد سكول في إشارة إلى وعيه بجذور هذا النوع الموسيقي واستحضارها ضمن سياق معاصر.
ولعل لجوءه المتكرر إلى التعاونات لا يبدو خيارًا عابرًا، بقدر ما يعكس قناعة ضمنية بأن مشهد الهيب هوب في الخليج لا يزال في طور التشكل، ويحتاج إلى تضافر جهود الفنانين لصناعة حالة جماعية قادرة على ترسيخ حضوره وتوسيع تأثيره.
شكل عام 2025 مساحة أوسع لاختبار أدواته الفنية والدفع بتجربته نحو مزيد من التنوع خصوصًا على مستوى التعاونات. استهل العام بتراك "قلي كيف" مع شهبي قبل أن يجدد شراكته مع دي جي مبارك في "دلع" وهو عمل حمل ملامح واضحة لجنرا الهوبي التي تمزج بين الإيقاع الخليجي والهيب هوب بتناغم يعكس ذائقة الجمهور السعودي. وقد سبق وحقق دي جي مبارك رواجًا ملحوظًا بهذه الجنرا من خلال تراك "حزين الوقت".
في السياق ذاته طرح ذا دو أول ألبوم قصير في مسيرته بعنوان "ضجة"متضمنًا 4 تراكات كشفت عن تركيز أوضح على الهيب هوب مع حضور لافت للتعاونات مع مافيا الهيكل وتشانكي مانكي مقابل مسارين منفردين هما جريمة وSavage Mood الذي صوره كفيديو كليب لترويج الألبوم. بدت محاولاته لدمج الإيقاعات الخليجية ضمن قالب معاصر امتدادًا لاهتمامه بتطوير هوية الهوبي الخاصة به.
“شبت نار" محطة مفصلية في مسيرته
وعقب هذا الإصدار واصل ذا دو نهج الغزارة في الطرح مع الحفاظ على حضور التعاونات وصولًا إلى "شبت نار" التي تعيش حاليًا ذروة انتشارها رغم صدورها في العام الماضي. غير أن هذا النجاح لم يخل من الجدل لا سيما في ما يتعلق بجرأة الكلمات الغزلية الصريحة في بعض المقاطع وهو ما فتح باب الانتقادات. إلا أن ذا دو وفق ما صرح به في أحد اللقاءات يتعامل مع هذه الأصوات بوصفها جزءًا طبيعيًا من أي نجاح، مفضلًا التركيز على الإيجابيات والاستمرار في تطوير مسيرته.
مع بدايات العام الجاري واصل ذا دو ترسيخ حضوره عبر تعاونات جديدة تعكس ملامح مرحلته الحالية، فطرح تراك "يمين يسار" بالتعاون مع بي-لايك تحت مظلة تسجيلات مدل بيست، مقدما خطابًا أقرب إلى التفاخر والاعتداد بالنفس في امتداد واضح لتقاليد الهيب هوب. غير أن اللافت في هذا العمل كما في غيره من إصداراته الأخيرة، هو الميل المتزايد نحو توظيف اللغة العربية بوصفها أداة تعبير أساسية بما يعكس اقترابه أكثر من محيطه الثقافي والجمهور المحلي.
وفي منحى مختلف قدم "انتظارك" بمشاركة صوت ريم العلي في الخلفية حيث يجنح في بدايته إلى مساحة أكثر عاطفية وغنائية، قبل أن يستعيد توازنه داخل إطار الهيب هوب مستثمرًا هذا المزج للتعبير عن مشاعره الداخلية دون التخلي عن هويته الأساسية.
https://youtu.be/W5GFfxuU8r0?si=ox1EBEZy6cYgU-Tx
أما أحدث إصداراته، "بس إنت" فيواصل من خلالها خط الغزل لكن ضمن قالب هيب هوب مباشر يبدو فيه وكأنه يواجه محبوبته باعترافات صريحة، مستندًا إلى أداته الأبرز الكلمات ليحول البوح إلى حالة فنية تحمل طابعه الخاص.
يقدم ذا دو نموذجًا لفنان سعودي يحاول إعادة تعريف موقعه داخل المشهد الموسيقي المعاصر. وقد سخر تعدد مواهبه لخدمة مشروع قائم على السرد الشخصي، ورغبة في تحويل تجربته الذاتية إلى مادة فنية قابلة للمشاركة. وقد نجح مشروعه حتى الآن في أن يتنقل بين عوالم الهيب هوب والآر-أند-بي دون أن يتخلى عن توظيف لمسات عربية محلية تمنح موسيقاه طابعًا أكثر أصالة. مشروع مبشر طبع بصمته الخاصة ضمن جيل من الأصوات الصاعدة في المملكة.






