في سبتمبر 2017، عادت فيروز إلى عالم الألبومات بعد غياب 7 سنوات منذ ألبوم "في أمل"، وللأسف كان الانتظار الطويل كفيلًا برفع سقف التوقعات، مع أخبار حول خلافات مع ابنها زياد الرحباني، ثم حضور اسم ابنتها ريما كصانعة للألبوم. تفاصيل عديدة كانت كفيلة بخلق حالة من الرفض لدى فريق كبير أحب نسخة فيروز مع زياد.
صدر "ببالي" مكونًا من عشر أغنيات مقتبسة، أغلبها من ألحان أجنبية شهيرة، بينها نسخة بيانو من أغنية "لمين"، وتولت ريما إعادة كتابتها بالعربية، وتحديدًا باللهجة اللبنانية، بينما تولى الموسيقار البريطاني ستيف سيدويل توزيع الألبوم.
محاكمة "ببالي" بسبب زياد
مع الأيام الأولى لصدوره وجد الألبوم نفسه أمام محاكمة جماهيرية ونقدية تلخصت في أسئلة مثل: أين زياد؟ لماذا كل هذه الألحان الأجنبية؟ وهل هذه هي فيروز التي نعرفها؟ ثم بدأت بعض المراجعات تتعامل مع الألبوم باعتباره خروجًا عن المسار الفيروزي، إلى درجة أن وصفه البعض بأنه "نكسة".
وهذا مربط الفرس: هل اتهام فيروز بالاقتباس أو تعريب الأغاني الغربية هو الأزمة؟ أم أن طريقة الاقتباس والإطار الذي وُضعت فيه الأغاني كان العُقدة التي لم يفكها الجمهور ؟
هنا تحديدًا يظهر الفارق بين حضور زياد في تلك العملية وغيابه، فمع أول استماع للألبوم سيبدو وكأنه مجموعة من الأغاني العالمية المعروفة جماهيريًا والتي اختارتها فيروز وريما دون هوية واضحة متكاملة تبني ألبومًا ذا فكرة ورسالة.
صحيح أن إعادة الاستماعات جعلتنا نشعر وكأن فيروز تستعيد شريط حياتها، ولكن هذا لم يكن واضحًا على السطح، وافتقد للتماسك الذي يعكس حالة واضحة، بل أن لغة ريما الرحباني ومفرداتها مالت في أغلب الأغاني الى الترجمة المباشرة، وافتقدت إلى العمق الإنساني، وربما السخرية الاجتماعية والعاطفية الحاضرة في أغاني زياد لفيروز، فشعر الجمهور أن فيروز تنقل أغاني أجنبية لا تقتبس ألحانًا وقوالب موسيقية ثم تهضمها في قلب مشروعها وهويتها الغنائية.
قائمة عريضة من الاقتباسات
يبدأ الألبوم بأغنية "رح نرجع نتلاقى" بلحن مقتبس من الأغنية الاسكتلندية الشهيرة "Auld lang syne"، وكأنها تتحدث عن الغياب والحنين للعودة بعد سبع سنوات .
استمرت الاقتباسات اللحنية على مدار أغنيات الألبوم ، ففي "يمكن" اقتبست لحن أغنية جون لينون "Imagine"، و "ببالي" عنوان الألبوم أعادت تقديم أغنية "The Way We Were"، أغنية أصلها قائم على الذاكرة، وعلى استعادة الماضي .
في "ماتزعل مني" أعادت تقديم أغنية "Don't Cry for Me Argentina" بما تحمله من حس سياسي ووطني واضح وجدت فيروز أنه بالإمكان نقله من الحالة الأرجنتينية إلى الصوت اللبناني.
وفي "أنا وياك" تدخل فيروز لمنطقة أخرى راقصة بطابع برازيلي لاتيني قادم من منتج أصلي هو أغنية "Besama Mucho"، والغريب أن نص ريما تحدث أيضًا عن الذكريات بشكل مغاير لأجواء اللحن والكلمات الأصلية للأغنية.
ورغم ذلك تأتي أغنية "حكايات كتير" كواحدة من أكثر أغاني الألبوم تعبيرًا عن فكرته، بالطبع الأغنية مقتبسة من "My Way" لفرانك سيناترا، لكنها مع فيروز بدت كإعلان سيرة ذاتية لامرأة سافرت، غنت على المسارح، وتركت صدى صوتها في الأماكن، وبقيت الحكايات في ذاكرتها، فظهرت الأغنية قريبة من شخصية فيروز نفسها.
ثم في أغنية "بغير دني" تقتبس أغنية "Seul sur son étoile"، ثم تختم المجموعة بأغنية "بيت صغير بكندا" التي تعد أقدم تسجيلات الألبوم وقدمتها فيروز في حفل بكندا قبل طرح الألبوم بسنوات، ولكنها كسابقاتها مقتبسة من الأغنية الفرنسية "Ma cabane au canada".
الفرق بين الاقتباس والنقل!
ولكن بعد أن هدأت العاصفة ومرت السنوات تبقى أسئلة كثيرة حول الجدل والهجوم الذي طال الألبوم.
هل كانت هذه التجربة هي الأولى لفيروز في طريق الاقتباس؟ ألم يسبق لها ذلك مع الأخوين عاصي ومنصور ونجلها زياد؟ ولماذا كان النقد هذه المرة لاذعًا؟
ربما لأن الألبوم وضع قائمة كاملة من الاقتباسات في ألبوم واحد، وربما أيضًا لأن الألبوم سقط في فخ النقل وليس الاقتباس، حيث ظهرت التجربة مفتقدة لحرفية الاقتباس التي كان يمارسها زياد ووالده وعمه في إطار أعمق له لغة وفكرة ومسار واضح.
وهنا تظهر مشكلة "ببالي" وهي المسافة الفنية والثقافية الكبيرة الواضحة بين تجربة ريما في الاقتباس، وبين تجارب الأخوين رحباني وزياد في هذا المجال.
ففي واحدة من أنجح تجارب الاقتباس في تاريخ فيروز "يا أنا يا أنا"، نشعر بموزارت حاضرًا في الخلفية، لكننا لم نسمع نسخة عربية من موزارت، بل أغنية رحبانية كاملة، لها كلماتها وشخصيتها، حتى أن وظيفة اللحن الأصلي تكاد تختفي بمجرد أن تغني فيروز، لأن الأصل لم يكن نصًا غنائيًا بل مادة موسيقية قابلة للتطويع، فذاب هذا الأصل داخل مشروع الرحابنة، كما حدث أيضًا مع أغنية "حبيتك بالصيف" المقتبسة من أصل فرنسي.
ومع زياد الرحباني ظهرت التجربة بشكل أوضح ولكن بنفس منطق الأب والعم، في أغنية "شو بخاف"، ولدت الأغنية من لحن أصلي للموسيقار لويز بونفا، لكن زياد لم ينقل النص، بل المدهش أنه قلب الأغنية تمامًا من أغنية رومانسية برازيلية مبهجة، إلى أغنية عربية ثقيلة عن الليل والقلق والأرق والتساؤلات التي يطرحها الخوف من الفقد، بل وغير القالب الإيقاعي للأغنية الأصلية، فأصبحنا أمام مُنتج غنائي جديد تمامًا، وربما لا أبالغ لو قلت أن "شو بخاف" بدت أعمق وأجمل من الأصل.
وفي "بيذكر بالخريف" مثلًا ، اقتبس زياد من "Autumn Leaves" لجوزيف كوزما، ولكنه نقل الفكرة إلى عالم فيروز حيث كان اسم "الأوراق الميتة" ملهمًا له كي يدخل أجواء الخريف في النص لا أن يترجمه، فأصبحنا أمام أغنية لبنانية جديدة تحمل ذاكرة الخريف والحنين.
كان زياد يسير على منهج الأخوين رحباني ومحمد عبد الوهاب في الاقتباس، حيث يأخذ اللحن الأجنبي ويضع حوله عالمه الخاص ولغته، بحيث يصبح الاقتباس جزءًا من شخصية الأغنية، بينما في "ببالي" ظهر الاقتباس سطحيًا، وكأنه مجرد نقل وترجمة لأغان شهيرة.
خلافات زياد وريما !
و لأن زياد لم يكن مجرد اسم يوضع على غلاف ألبوم فيروز، حيث كان جزءًا من الطريقة التي نتخيل بها صوتها الجديد، اعتبر الكثيرون وجود زياد شرطًا مسبقًا لوجود فيروز نفسها، وهذا خطأ فادح في قراءة مسيرتها.
لكن في خلفية المشهد ظلت خلافات زياد وشقيقته ريما هي المؤثر الأكبر على تلقي جمهور فيروز لـ"ببالي"، وهي الأزمة التي اشتعلت مع تولي ريما إدارة أعمال فيروز، ففرضت رؤيتها الفنية على المشروع.
وهذا صرح به زياد في لقائه مع الإعلامي زافين عندما قال: "علاقتي بريما انقطعت لأنها مديرة أعمال فيروز، كانت تريد تقديم أغاني، فسجلتها في ستوديو آخر غير الاستوديو الذي نملكه رغم أنه شركة بيني وبين أمي وريما، وبعد كل هذا توقعت أن تقدم شيء "مهول" والناس لم تتمالك نفسها أمام ما قدمته".
بل أضاف منتقدًا تجربة ريما: "سمعت من الألبوم غنيتين وفي التالتة وقفت بنصها، نسوني أني بشتغل بهي الشغلة، لازم كل واحد يشتغل شغلته، انه تستعين بناس مش واحدة يعني" .
كيف نسمع "ببالي" الآن"
لكن في النهاية ورغم كل هذا الجدل والانتقادات تكمن القيمة الحقيقية لهذا الألبوم في صوت فيروز نفسه، السيدة التي بلغت حينها الثانية والثمانين تعاملت مع تأثير الزمن على صوتها بحرفية واقتدار جعلا مسحة الخشونة التي مست الصوت جزءا من الحكاية، حيث اتسقت مع الغناء للذكريات والزمن والماضي.
لهذا لا يمكن تقييم "ببالي" بأكثر من كونه تجربة مختلفة داخل مسيرة عظيمة، مجرد ألبوم حاولت فيه فيروز أن تطل بنسخة "ريما" لا بنسخة "زياد" في آخر مسيرتها الفنية، ولم ولن تتكرر التجربة.






