منذ ظهوره في برنامج "ستوديو الفن" مطلع التسعينيات، وحتى حفلاته الجماهيرية المكتملة العدد في بيروت مع نهاية الصيف الحالي، يصعب تتبع مسيرة وائل كفوري من دون التوقف أمام سؤال أساسي: كيف حافظ على موقعه في صدارة الأغنية اللبنانية لأكثر من ثلاثة عقود؟
فوائل، الذي بدأ مسيرته في سن صغيرة، لم يتبع طوال هذه السنوات الكثير من وصفات النجومية التي اعتدنا نسب نجاح الفنانين واستمراريتهم إليها. ظهوره الإعلامي ظل شبه معدوم، وحديثه مع الصحافة مقتضبًا ونادرًا. وحتى بعد صعود وسائل التواصل الاجتماعي بقي حضوره عليها محدودًا للغاية. تعاوناته الغنائية نادرة بدورها، كما أنه لم يسعَ إلى التنقل المستمر بين اللهجات أو طرق أبواب أسواق عربية مختلفة، بل ظل متمسكًا باللهجة اللبنانية بوصفها المساحة الأساسية لأغنيته، باستثناء ربما ثلاث أو أربع أغاني مصرية وواحدة بالفصحى.
فكيف بقي النجاح حليفه كل هذه السنوات؟
في محاولة لرصد معادلته الخاصة، ربما لا توجد بوابة أوضح من الأغاني نفسها. فعبر أرشيف يمتد لأكثر من ثلاثين عامًا، يمكن رصد خمس حالات أساسية ظل وائل يعود إليها، ويعيد تطويرها بصيغ مختلفة، حتى تحولت تدريجيًا إلى ملامح ثابتة في هويته الغنائية.
المدخل الأول: المواويل والأغنية الجبلية
منذ البداية، كان الصوت هو الحجة الأولى. استثمر وائل كفوري ظهوره في "ستوديو الفن" لإبراز المساحة الجبلية في صوته وقدرته على أداء المواويل، قبل أن تنتقل هذه القوة الأدائية إلى بداياته الاحترافية.
في حفلاته الأولى، وقبل أن يمتلك رصيدًا كبيرًا من الأغنيات الخاصة، حضرت المواويل والميجانا والألوان الشعبية اللبنانية بكثافة، فيما حافظت أعماله وألبوماته الأولى على صلة واضحة بالأغنية المحلية وبصورة الشاب اللبناني التي خرج منها مثل "أصلي بقاعي" و"ما وعدتك بنجوم الليل" من ألبوم "شافوها وصاروا يقولوا" -وكلها من ألحان سمير صفير- أو "ميت فيكي" وموال "موعود". حتى بعض موضوعاته المبكرة بدت شديدة الالتصاق بتجربته وبيئته، كما في "رايح بكرا عالجيش"، التي نقلت قصة شاب يستعد للخدمة الإلزامية إلى أغنية بقيت مرتبطة بتلك المرحلة من مسيرته.
كانت تلك، إلى حد بعيد، مرحلة إثبات الأدوات: صوت قوي، هوية لبنانية واضحة، وقدرة على حمل الموال والأغنية الشعبية قبل أي محاولة أخرى لتشكيل صورة نجم البوب.
المدخل الثاني: القصص السردية ومثلثات الحب
مع الوصول إلى عام 1998 وألبوم "شباك الحب"، بدأت تظهر بوضوح أكبر مساحة أخرى في أغنية وائل كفوري: الحكاية.
عزز تعاونه مع أسماء مثل نزار فرانسيس وسمير صفير هذا الاتجاه، عبر أغنيات لا تكتفي بوصف حالة عاطفية، بل تبني مشهدًا وشخصيات وأحداثًا، حتى يبدو بعضها أقرب إلى فيلم قصير مضغوط داخل دقائق أغنية.
في "البرنيطة" و"برج فرنسا" و"من دون قصد"، على سبيل المثال، لا نتلقى اعترافًا عاطفيًا مباشرًا بقدر ما ندخل إلى قصة تتطور أمامنا. وفي الأخيرة تحديدًا، يتحول مثلث الحب إلى حبكة كاملة، حين تقود المصادفة البطل إلى اكتشاف أن المرأة التي يحبها تحمل مشاعر تجاه صديقه المقرّب. فنشعر هنا لم يعد وائل يغني الحب فقط؛ صار يروي بصوته حكايات ننصت لها نحن بانسجام.
المدخل الثالث: الرومانسية المفرطة والحب الأفلاطوني
مع الوصول للألفية الجديدة، كان وائل كفوري قد رسخ بالفعل موقعه في المشهد اللبناني، فيما انعكس النضج تدريجيًا على صورته وأدائه وحضوره المسرحي، وكذلك على القصص التي حملتها أغنياته. فجاء ألبوما "حكاية عاشق" و"سألوني" ليعززا جانبًا آخر من شخصيته الفنية.. جانب رومانسي رقيق الأداء.
كأن قصص الحب نفسها كبرت معه. ابتعدت تدريجيًا عن انفعالات البدايات لتصبح أكثر اكتمالًا ومثالية، وأحيانًا أكثر مبالغة في رومانسيتها. في أعمال مثل "سألوني"، يظهر وائل بصورة العاشق الكلاسيكي؛ وفي "حكاية عاشق" كان ذلك الفارس القادم من زمن آخر، الذي تصبح قصة الحب بالنسبة إليه عالمًا كاملًا لا مجرد موضوع للأغنية.
وفي هذه المساحة تحديدًا، لم يعد بحاجة إلى استعراض قوة الصوت التي أثبتها في البدايات. أصبح الأداء أكثر اعتمادًا على الهدوء والإحساس، وكأن المهمة الجديدة لم تعد إثبات قدرته على الغناء، بل إثبات قدرته على الإحساس بما يغنيه ونقله بأقل قدر ممكن من الاستعراض. وإن كان موسيقيًا قد شهد شيئًا من الانفصال عن ثنائية سمير صفير ونزار فرنسيس، ووسع دائرة تعاوناته أكثر مع جيل جديد في أغنية البوب اللبنانية مثل طارق أبو جودة ووسام الأمير وملحم بو شديد.. إلى جانب العديد من الاقتباسات من الأغاني التركية.
المدخل الرابع: الشجن وقصص القلب المكسور
بعد سلسلة من الأغنيات الضاربة التي رسخت حضوره لسنوات، مثل "بحبك أنا كتير" و"شو رأيك" و"عمري كله" و"قرب ليي"، حمل النصف الثاني من الألفية قصصًا عاطفية أكثر تعقيدًا.
لا سبيل لمعرفة ما إذا كانت تلك المرحلة تعكس شيئًا من حياته الشخصية؛ فوائل كفوري لم يكن يومًا ممن يفتحون حياتهم الخاصة للتفسيرات والتأويل. لكن المؤكد أن قاموس الأغنية نفسه بدأ يتغير. دخل إليه اليأس والخيانة واستحالة الوصول إلى الحبيب، وانتقل العاشق المثالي تدريجيًا إلى مساحة القلب المكسور.
من هنا جاءت أعمال تحمل حالات أكثر شجنًا، مثل "الغرام المستحيل" و"كيفك يا وجعي" "ما أصعبك" و"حكم القلب" و"كذابين" و"يا ضلي يا روحي"، لتكشف عن مساحة أخرى تناسب صوته بالقدر نفسه الذي ناسبته به الأغنية الرومانسية. وحتى حين استعانت بعض أعماله بألحان ذات أصول أو تأثيرات تركية ويونانية، كما في عدد من الأغنيات التي قدمها خلال مسيرته، بدا الشجن الموجود في هذه الألحان ملائمًا بصورة خاصة لخامة صوته وطريقة أدائه.
وإن كان وائل قد أثبت أنه يستطيع أن يغني الحب؛ فهنا أثبت أن انكساره يليق بصوته أيضًا.
المدخل الخامس: دعوة دائمة للفرفشة والرقص
وفي الجهة المقابلة تمامًا، بقي هناك وائل آخر يظهر كلما حل الصيف.
خلال السنوات الأخيرة تحديدًا، بدا واضحًا إصراره على وجود إصدار واحد على الأقل يلتقط روح الصيف اللبناني: الحفلات المزدحمة، الأعراس، السهر والرقص. ومن هنا جاءت تباعًا أغنيات مثل "البنت القوية" و"حالف عالحب" و"الوقت هدية" و"تيك تيك"، بألحان وإيقاعات لا تحتاج بالضرورة إلى حبكة معقدة، بقدر حاجتها إلى أن تؤثر فورًا في حماسة الجمهور الحي.
ربما تكون هذه المساحة هي الأقرب في أرشيفه إلى الاستجابة المباشرة لما يحتاجه السوق وموسم الحفلات. لكنها، حتى هنا، لم تدفعه إلى التخلي عن هويته لصالح الترند. لم يتحول وائل إلى مطارد دائم للصوت الرائج، ولم تتبدل لهجته بحثًا عن سوق أكبر، ولم يصبح التعاون مع الأسماء الأكثر حضورًا وسيلة إلزامية للبقاء.
وهنا ربما نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه، ونجد جزءًا من الإجابة. فاستمرارية وائل كفوري لم تأتِ من إعادة اختراع نفسه في كل مرحلة، بل ربما من العكس تمامًا: من معرفته المبكرة جدًا بما يجيده، ثم بناء عالم واسع داخل هذه الحدود.
بين الموال، والحكاية العاطفية، والحب المثالي، والقلب المكسور، وأغنية الصيف الراقصة، تغيرت الحالات وبقي صاحبها واضحًا. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ربما تكون هذه واحدة من أصعب المعادلات في موسيقى البوب: أن تتغير بما يكفي للاستمرار، من دون أن تتغير إلى درجة لا يعود فيها الجمهور قادرًا على التعرف إليك.






