منذ سنوات، لم تعد ألبومات عمرو دياب تُقاس فقط بعدد الأغنيات الناجحة، بل أصبحت تُقرأ أيضًا بوصفها مؤشرًا على الاتجاه الذي يختاره الهضبة في كل مرحلة. وفي ألبومه الجديد "حبيتك"، يواصل هذا النهج عبر عمل يجمع بين الرومانسية المعتادة، والإيقاعات الصيفية الراقصة، ومحاولات واضحة لتجريب أفكار جديدة في الكتابة والتلحين، حتى وإن لم تنجح جميعها بالقدر نفسه.
وكما هي الحال في معظم الألبومات الطويلة، لا تسير الأغنيات على مستوى واحد من الجودة أو التأثير. فبعضها يكتفي بإعادة تقديم قوالب أثبتت نجاحها سابقًا، بينما يغامر بعضها الآخر بالخروج عن المألوف، سواء على مستوى البناء الموسيقي أو الأداء أو الفكرة. وبين هذين الاتجاهين، تتشكل هوية الألبوم، وتظهر لحظاته الأقوى والأقل إقناعًا.
في هذه القائمة، نرتب جميع أغاني "حبيتك" من الأقل تميزًا إلى الأفضل، وفق تقييم فريق تحرير بيلبورد عربية، مع قراءة نقدية لكل أغنية على حدة، انطلاقًا من عناصرها الفنية، بعيدًا عن أرقام الاستماع أو نجاحها الجماهيري.
الألوان
من الوهلة الأولى يمكنك معرفة كاتب الأغنية مصطفى حدوتة، الإسم الذي جنح معه الهضبة لتقديم مفردات صادمة متمردة على قاموسه، حتى لو أثارت الجدل، وعابها شيئًا من عدم اللياقة في مقطع مثل: "يا فراولة أشربها عصير".
اعتمد الهضبة على الصدمة وإثارة الجدل بكلمات قد لا يراها جمهوره "المُخلص" مناسبة لمكانته، ولكن في ذات الوقت لا يمكن إنكار قدرة "حدوتة" على بناء صورة تعتمد على البناء التراكمي للحالة، سواء بالأرقام كما هو الحال في "ياقمر" أو الألوان كما حدث في هذه الأغنية، وهو ما يؤكد حرفيته كشاعر.
أما لحن إيهاب عبد الواحد خفيف وشقي ملائم للحالة التي يراها الكثيرون أقرب للغناء لطفلة وليس حبيبة، وتماشى معه توزيع أحمد ابراهيم بصبغته اللاتينية وصوت الأوكرديون الباريسي.
المفضل
كتبت الأغنية الشاعرة الغنائية منة عدلي القيعي، التي قدمت لنا عشرات الهيتات مع أكبر نجوم مصر في السنوات القليلة الماضية، وكان لكل منها بصمتها الخاصة الواضحة في الطرافة والخفة، وبأسلوب السهل الممتنع. لكننا هنا نشعر أن الكلمات أسهل من اللازم. تكرار الكلمات يسمح لنا بحفظ الأغنية والغناء معها مباشرةً، لكن رغم ذلك، يصعب تخيلها كأغنية هيت ترغب في تشغيلها والعودة إليها مرارًا.
12 بالليل
لحن محمد يحيى وتوزيع أسامة الهندي كانا نقاط القوة في أغنية " 12 بليل"، إذ يقدمان حالة موسيقية أكثر تماسكًا من الكلمات التي وضعها مصطفى حدوتة، والتي جاءت تقليدية ولم تضف جديدًا إلى الفكرة المطروحة. كما أن الاعتماد على تكرار بعض الكلمات في مقدمة الأغنية أفقدها جانبًا من الجاذبية والزخم منذ اللحظات الأولى.
ويزيد من هذا الانطباع اعتماد الأغنية على إيقاع المقسوم المتكرر في أكثر من عمل داخل الألبوم، ما يجعلها تبدو قريبة في هويتها الموسيقية من أغنيات أخرى، ويضعف قدرتها على تكوين شخصية مستقلة تميزها داخل المشروع بأكمله.
وانتي جنبي
كتب كلمات "وانتي جنبي" مصطفى حدوتة ولحنها إيهاب عبد الواحد وتوزيع أحمد إبراهيم. ورغم امتلاكها مقومات موسيقية كان يمكن البناء عليها، فإنها تخرج في النهاية كأغنية تفتقر إلى بصمة تجعلها عالقة في الذاكرة.
موضوع الأغنية ليس جديدًا على عمرو دياب، فقد تناوله سابقًا في أعمال أكثر رسوخًا مثل "خليني جنبك" و"جنب حبيبي" لكن الفارق هنا يكمن في مستوى الصياغة. جاءت الكلمات مباشرة ومليئة بالقوافي السهلة كما في جملة مثل: "وانتي جنبي الدنيا بمبي" التي تبدو أقرب إلى الاستسهال منها إلى البحث عن صورة أو تعبير يضيف قيمة للنص.
في المقابل يحمل التوزيع الموسيقي بعض الأفكار الجيدة إذ يستلهم أجواء الموسيقى اللاتينية من خلال توظيف آلات النفخ والجيتارات. إلا أن هذا التوجه لم يُستثمر بالقدر الكافي، لتبدو في النهاية وكأنها خرجت على عجل دون أن تبلغ كامل إمكاناتها الفنية.
سلام كبير
من قلب برنامج "معكم منى الشاذلي" خرجت هذه الأغنية حين لحن الشاب أدهم أيمن بهجت قمر صاحب الـ 17 عامًا كلمات والده، ليلتقطها الهضبة مؤكدًا استمراره في تقديم المواهب الشابة طوال مسيرته.
كلمات أيمن بهجت قمر تعكس فلسفته الساخرة دائمًا في مخاطبة الـ"إكس" بمفردات ذكية يؤككد فيها للحبيبة السابقة صورته السلبية التي روجتها مثل : "سلام كبير وتحية .. يا بريئة يا ضحية .. إنتي ملاك وأنا حاضر عبر الدنيا فيا" قبل أن يسرد تفاصيل معاناته معها.
توزيع أحمد ابراهيم بصبغته الإليكترونية الأقرب لموسيقى الـ EDM جاء بعيدًا عن حالة الأغنية لحنًا ونصًا.
حبيتِك
تحمل أغنية "حبيتك" كلمات أمير طعيمة وألحان عمرو مصطفى وتوزيع أحمد إبراهيم، وهي الأغنية التي اختارها عمرو دياب عنوانًا للألبوم، الأمر الذي منحها اهتمامًا خاصًا منذ اللحظة الأولى للإعلان عنها. كما ساهم المقطع التشويقي الذي سبق صدور الألبوم في رفع سقف التوقعات لتصبح واحدة من أكثر أغنياته انتظارًا.
تقدم الأغنية حالة رومانسية هادئة تستند إلى كلمات دافئة وصادقة، بينما يحمل اللحن بصمة عمرو مصطفى الواضحة منذ الجملة الموسيقية الأولى، بأسلوبه المعروف في بناء الألحان العاطفية التي تتصاعد تدريجيًا. ويواكب عمرو دياب هذا التصاعد بأداء متزن في البداية قبل أن يرفع من حدة صوته في اللازمة، وكأنه يحول مشاعره الخاصة إلى اعتراف مفتوح يبوح به أمام الجميع وهو ما منح الأغنية قدرًا كبيرًا من الصدق والتأثير.
"حبيتك" من أبرز الأغنيات الرومانسية في الألبوم، إذ يجتمع فيها دفء الكلمات مع اللحن وحضور صوت عمرو دياب. إلا أن التوزيع الموسيقي بدا في بعض المقاطع أقل ثراءً مما تتطلبه الحالة الشعورية للنص واللحن، وكأنه لم يواكب التصاعد العاطفي بالكامل وهو ما حرم الأغنية من الوصول إلى ذروتها الموسيقية بالشكل الذي كانت تستحقه. كما أن عبارات أسهل من اللازم مثل "حبيتك حبيتك حبيتك/ آسف لو كنت أنا خضيتك" بدت مستغربة بعض الشيء من شاعر بحجم أمير طعيمة.
غيابه فرق
أغنية "غيابه فرق" من كلمات أيمن بهجت قمر وألحان محمد يحيى وتوزيع أحمد إبراهيم. ومن اسمها تكشف مباشرةً أنها تتحدث عن تيمة الفراق والبعد. على مستوى الكتابة واللحن، تبدو الأغنية من أكثر الأعمال انسجامًا مع شخصية عمرو دياب الفنية، إذ جاءت الكلمات سلسة ومؤثرة بينما قدم محمد يحيى لحنًا ينسجم مع المساحة التعبيرية لصوت الهضبة الذي بدا حاضرًا بأداء صادق ومقنع.
لكن نقطة الضعف الأبرز تكمن في التوزيع الموسيقي، الذي لم يرتقي إلى مستوى جودة اللحن أو الأداء. فرغم استحضاره بعض الملامح التي اشتهرت بها توزيعات عمرو دياب في مراحل سابقة، فإنه افتقد الحيوية التي كانت تمنحها الآلات الحية، والتي شكلت دائمًا عنصرًا أساسيًا في هوية تلك الأعمال. وبدلًا من إعادة تقديم هذه الروح برؤية معاصرة، جاء التوزيع مسطحًا ومحافظًا من دون تفاصيل موسيقية تمنحه شخصية مستقلة.
وتبدو هذه النتيجة أكثر إثارة للاستغراب إذا ما قورنت بتاريخ أحمد إبراهيم، الذي يُعد أحد أبرز الموزعين في الساحة العربية، وقدم أعمالًا لافتة مع أسماء مثل أنغام وتامر عاشور فضلا عن تعاوناته الناجحة السابقة مع عمرو دياب. لذلك يبدو هذا التوزيع أقل بكثير من مستوى التوقعات، إذ جاء تقليديًا إلى حد كبير يعتمد على قوالب جاهزة ويخلو من أي مغامرة موسيقية أو فكرة إنتاجية تضيف للأغنية بعدًا جديدًا، لتخرج في النهاية بصورة بدت أقرب إلى نموذج أولي منها إلى توزيع نهائي يحمل بصمة فنية مميزة.
بحاول
تعاون جميع كلمات تامر حسين بألحان الهضبة، وتوزيعات أسامة الهندي، ليقدموا لنا أغنية نوستالجية بامتياز. تعيدنا لرومانسية عمرو دياب في بداية الألفية، وتذكرنا إلى حد كبير بأغنية "قولت إيه" التي يغني في بدايتها "قبل الوداع قرب هنا" الصادرة ضمن ألبوم "أكتر واحد بحبك" في 2001.
هدية رقيقة من الهضبة لجمهوره المخلص الذين كبروا على أغانيه، يتفوق فيها أداؤه الهادىء دون استعراض أو مبالغات.
أنا معاك
في كل ألبوم صيفي جديد، يقدم الهضبة أغنية مصنوعة خصيصًا لموسم الأفراح ورقصة العروسين الأولى. ضمن ألبوم "ابتدينا" الصادر الصيف الماضي، كانت تلك أغنية "حبيبتي ملاك". أما في هذا الألبوم فهي أغنية "أنا معاك"، التي لحنها عمرو مصطفى خارج أسلوبه اللاتيني المعتاد، وكتبها أمير طعيمة مثبتًا بصمته الفارقة في الأغنية الرومانسية، ووزعها أحمد إبراهيم بلمحات نوستالجية تعيدنا لألبومات الهضبة الذهبية. أغنية تستحق أن تعيش في ذاكرة جمهوره بمعزل عن الألبوم وتوجهه العام.
لولا البنات
يقدم الهضبة في هذه الأغنية نُسخة جديدة من أغنيته "بابا" بالاعتماد على إيقاع الـ"الدانس هول" الراقص وردود بأصوات إلكترونية لـ"الربابة" كعنون رئيسي للتجربة.
العنصر الأكثر جدلًا هو كلمات مصطفى البرنس التي جاءت من قلب التراث وكأنه استلهم الأغنية من أغاني الأفراح الريفية بكافة مفرداتها خاصة في مقطع : "لا تبيع هدومك يا ولا/ وتجيب دهبها يا ولا".
لحن عمرو دياب ترجم هذه الحالة بحرفية وكأنه تعمد تقديم أغنية من روح الفولكلور الريفي "السري" بنفس بناء الأغاني التي تغنيها سيدات الريف في حفلات "الحنة"، ولكن بإيقاعات حديثة مستمرًا في تأكيد هذا الخط الفني الجريء .
جيتلك
واحدة من أفضل أغنيات الألبوم على كافة المستويات الفنية، حالة الحنين التي تُغلف كافة تفاصيلها .. الحبيب العائد بحثًا عن حُب قديم مشحونًا بذكريات الماضي ليقدم "روحه هدية" مقابل الرجوع.
لحن نادر نور الغارق في شجن وعواطف مقام النهاوند ترجم كلمات الشاعر "رزام" موسيقيًا بلغة شاعرية بثلاث جُمل لحنية متنوعة ، بين التذكير بالماضي، ثم الرجاء بعدم النسيان والرحيل.
توزيع عادل حقي من قالب المقسوم المُطعم بالجيتارات وخطوط الوترايات الحالمة كان موفقًا في رسم الصوة الكاملة لواحدة من أكثر الأغاني رومانسية وعذوبة في هذا الموسم والعام ككل.
اتأخر عتابنا
أفضل أغنية في الألبوم دون منافس، ومساحة تجديد منعشة ضمنه. يخرج فيها الهضبة من منطقة راحته المعتادة ليؤدي أغنية طربية بجمل شرقية وتوزيعات مقسوم نادرًا ما قدمها في مسيرته، فنسمعه في واحد من أفضل أداءاته الصوتية في آخر 15 عامًا. أغنية لو صُنعت في نهاية الثمانينيات، لكان سهلًا أن نتخيلها بصوت وردة ونتوقع أنها من ألحان بليغ حمدي.
كتب كلماتها رزام ولحنها عمرو مصطفى ووزعها أسامة الهندي، ونفذ أمير محروس عمليات الميكس والماستر، ولكل من هذه العناصر سحره الخاص، في تنفيذ نهائي متكامل. يروي الشاعر فيها قصة حب ويرسم نهايتها وينهي فصلها الأخير من بوابة العتاب، العتاب الذي يأتي على قدر المحبة، وينتهي بالاعتراف بالمسؤولية والخطأ، لكن بعد فوات الأوان. حكاية تكتمل في رأسنا تلقائيًا عبر تعابير وتلميحات بسيطة وغير مباشرة.
لكن أبرز ما لفتنا في الأغنية، كان اللحن، الذي لو لم نقرأ اسم عمرو مصطفى عليه، لما كنا توقعنا أن ينسب إليه إطلاقًا، إذ يبتعد كليًا عن أي ستايل قدمه منذ بداياته، ليقدم مفاجأة سارة وغير متوقعة، ويؤكد أنه مبدع قادر على تطويع مخيلة موسيقية واسعة، لتقديم المتجدد دومًا.
اشترك في إعداد هذه القائمة كل من مصطفى حمدي ونورهان أبو زيد وهلا مصطفى.






