بدأت سعاد حسني مشوارها الفني كطفلة متعددة المواهب تجيد التمثيل والغناء والرقص، ورغم أن السينما كانت بوابة عبورها لأرض الشهرة، إلا أن موهبة الغناء الاستعراض ظلت حاضرة عبر لحظات مضيئة في مسيرتها. تلك القدرة التي وضعتها مرارًا في مقارنة مع شادية، بل ودفعت إسمين كبيرين مثل الملحن كمال الطويل والشاعر الفذ صلاح جاهين ليصنعها منها نجمة غنائية استعراضية نادرة التكرار.
قبل سعاد حسني كانت النظرة لمطربة السينما تنحصر في زاويتين لا ثالث لهما، إما "المطربة الوقورة" التي تقف أمام الكاميرات كما تقف خلف الميكروفون بكامل رصانتها، أو "المؤدية الاستعراضية" التي تعتمد على الحركة دون خطة موسيقية واضحة.
إلا أن نموذج سعاد حسني جاء ليكسر هذه الثوابت في منتصف السبعينيات، نموذج لم يكن مجرد محاولة لـ "ممثلة تغني"، بل كان أقرب لتأسيس فكرة "نجمة البوب" بمفهومه الحديث.
بذكاء فطري يقف وراءه صُناع يفهمون معنى المشروع، حولت "السندريلا" الأغنية السينمائية والتلفزيونية من مجرد فاصل ترفيهي داخل العمل إلى "أغنية بوب" متكاملة تعيش في الشارع مستقلة عن الفيلم أو المسلسل.
توليفة سحرية تجمع بين الوعي بالإيقاع، التلوين الصوتي، القدرة على أداء النغمات رغم محدودية الصوت، والأهم من ذلك جرأة اللغة التي تمردت الأغنية الكلاسيكية.
ثنائية الطويل وجاهين
الحقيقة التاريخية الدامغة أن هذا المشروع خرج من مصنع الشاعر صلاح جاهين والموسيقار كمال الطويل، ذلك الثنائي الذي طهى طبخة فنية قائمة على "الدلع والخفة" عبر بنية أدائية مدروسة استثمرت موهبة سعاد في فهم الإيقاع وتلوين الصوت.
يتضح ذلك في أغنية "يا واد يا تقيل" التي يحمل لحنها على قفزات نغمية عبر عدة مقامات، تنقلت سعاد بينها بسلاسة بين الهمس، والتهكم، والدلع، وكأنها تناور بصوتها بين الاستسلام العاطفي والمشاكسة، وربما كان هذا الأداء التعبيري عنصرًا رئيسيًا فيما بعد لتكوين أغاني البوب الحديثة.
هذا يستدعي شهادة الموسيقار كمال الطويل في لقاء إذاعي سابق تحدث فيه عن قدرة سعاد على الغناء التعبيري قائلًا: "سعاد كانت تمتلك الأذن الموسيقية المطلقة والذكاء التعبيري. في كواليس تسجيل "يا واد يا تقيل"، كانت تلتقط العرب الموسيقية والدرجات الصعبة بمجرد الإشارة برأسي. كانت تغني بإحساس الممثلة ووعي المطربة المحترفة."
أكثر من مؤدية "دلوعة"
شهدت السبعينيات ذروة تقديم سعاد لأغنية "بوب حديثة" في "الدنيا ربيع" التي أصبحت نشيدًا رسميًا لأعياد الربيع بمصر، إلى جانب أغنية "بمبي" التي مثَّلت نموذجًا للأغنية المبهجة الراقصة، إلا أن نفس الفيلم "أميرة حبي أنا" كان شاهداً على تحول جذري في مسيرة السندريلا الموسيقية.
هنا قدمت ثنائية جاهين والطويل أغنية "بانو على أصلكم"، نقطة التحول التي أخرجت سعاد من صورة المغنية الاستعراضية "الدلوعة"، إلى المطربة القادرة على تقديم اللون الغنائي الدرامي، حيث اختفى الدلع الخالص، وحل محله أداء تعبيري مُنكسر يناسب غضب الكلمات وصدمة البطلة في زيف المجتمع، ونماذج الرجال في العلاقات.
لحن كمال الطويل من مقام الصبا أبرز فكرة الحزن والإنكسار في الكلمات، وجاء أداء سعاد أقرب إلى "الجلد اللفظي".
في فيلم "المتوحشة" عام 1979 قدمت أغنية "شيكا بيكا" بأداء تعبيري يعكس الكلمات النابضة بالسخرية الاجتماعية، وكأننا أمام مُطربة بوب قادرة على التنقل بين الأنماط الغنائية المختلفة وتقديم ألبوم يضم أغاني متنوعة، ولكن لماذا لم تفعلها؟
هذا ما فسرة الموسيقار محمد الموجي في لقاء إذاعي قديم عندما قال: "سعاد حسني لو ركزت وتفرغت للغناء فقط، لكانت زاحمت كبار مطربات العصر. لديها بحة صوت مميزة، وقدرة غريبة على الالتزام بالتون دون أي نشاز".
"هو وهي" مرحلة عمار الشريعي
مع منتصف الثمانينيات، وتحديداً في مسلسل "هو وهي" دخلت سعاد حسني مرحلة النضج الموسيقي الكامل بالتعاون مع الموسيقار عمار الشريعي بجانب الموسيقار كمال الطويل والشاعر صلاح جاهين.
إذا كان المسلسل بلغة زمنه مشروعًا دراميًا استعراضيًا، فبالحكم عليه بمقاييس اليوم يمكن اعتباره أول ألبوم غنائي "مرئي" في العالم العربي.
حتى أن شركة "صوت القاهرة" التابعة للتليفزيون المصري طرحت أغاني المسلسل في شريط كاسيت بعنوان "أغاني هو وهي" .
كانت قصص الحلقات نقطة إنطلاق لتقديم أغاني تناقش تفاصيل الحياة اليومية، مثل المشاكل الزوجية، والغيرة، والفروقات الاجتماعية، والنظرة السلبية لإنجاب الإناث، وانعكس ذلك في أغنيات مثل : "محلا العروسة" ، "خالي البيه"، "شوكولاته"، "البنات البنات"، و "جلابية بارتي".
اقتحمت سعاد منطقة أكثر حداثة وكأنها تقدم أغنية "بوب واقعية" على مستوى النص، ومواكبة لتطور الموسيقى في تلك الحقبة بلمسات الشريعي الذي كان مُحملًا بالأفكار والتركيبات الموسيقية الجديدة.
في لقاء تليفزيوني قديم فكك عمار الشريعي هذه التجربة قائلاً: "سعاد حسني خلف الميكروفون شخص مرعب في دقتها. في كواليس تسجيل 'هو وهي' وأغنية 'شيكولاتة'، كنا نتحرك في منطقة بكر. كانت تأتي وهي تحفظ أدوار الآلات الموسيقية، وتطلب أحياناً من عازف الإيقاع تغيير النبرة ليناسب حركة قدمها أثناء الاستعراض. كانت تصنع مصطلح البوب الحركي قبل أن يعرفه النقد العربي."
عباءة السندريلا
لا شك إن نجمات البوب العربيات في الألفية الثالثة، خاصة صاحبات البدايات الاستعراضية المبهجة عبر الفيديو كليب خرجن جميعًا بقصد أو بدون قصة من عباءة سعاد حسني استعراضيًا وموسيقيًا، وربما شادية في مرحلة ما .
لكن الأكيد أن السندريلا امتلكت الجرأة لكسر رصانة الغناء خلف الميكروفون، وحوّلت الأغنية من مجرد تطريب سماعي إلى حالة بصرية، حركية، وتعبيرية، لتظل حتى اليوم الملهمة الأولى لفكرة مطربة البوب الحديثة.






