يتزامن 21 يونيو من كل عام ذكرى حدثين مؤثرين في ساحة الفن المصري والعربي: رحيل السندريلا سعاد حسني وذكرى ميلاد العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وكأن القدر ظل مُصرًا على إبقاء الاسمين متجاورين حتى بعد رحيلهما.
فالعلاقة التي جمعت النجمين لم تتوقف عند حدود التعاون الفني أو النجاح الجماهيري، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في تاريخ الفن العربي، بعدما لاحقتهما على مدار سنوات طويلة شائعات عن ارتباط عاطفي وصل -بحسب بعض الروايات- إلى الزواج السري وهي روايات ظلت محل جدل بين من أكدها ومن نفاها من المقربين وأفراد العائلتين.
جدل قصة الحب منذ البدايات
وربما ساهمت المكانة الاستثنائية التي تمتع بها كل منهما في تغذية هذا الجدل، فعبد الحليم الذي كان يركز جهوده بالأساس على مشروعه الغنائي، شجعه المنتجون إلى استثمار شعبيته الجارفة على الشاشة الكبيرة، ليبدأ رحلته السينمائية عام 1955 بفيلم "لحن الوفاء" ويترك خلفه رصيدا بلغ 16 فيلما
أما سعاد حسني التي اكتشف موهبتها الشاعر عبد الرحمن الخميسي ومنحها أولى فرصها الفنية من خلال دور في مسرحية "هاملت" فقد انطلقت جماهيرياً على نطاق واسع في أولى أدوارها مع المخرج هنري بركات في فيلم "حسن ونعيمة" عام 1959. وفي الفترة نفسها تقريبًا جمعها القدر فنيًا بعبد الحليم حافظ في فيلم "البنات والصيف" المأخوذ عن قصة للكاتب إحسان عبد القدوس، والمفارقة أن سعاد ظهرت في الفيلم بدور شقيقة عبد الحليم لا حبيبته إلا أن العديد من الروايات اللاحقة اعتبرت هذا العمل نقطة البداية للعلاقة التي ستظل لعقود مادة خصبة للتكهنات والحكايات المتداولة بين الجمهور والنقاد على حد سواء.
ورغم الغموض الذي أحاط بطبيعة العلاقة بين عبد الحليم حافظ وسعاد حسني، فإن المؤكد أن كلا منهما كان يحتل مساحة خاصة في حياة الآخر. وربما لعبت الظروف المتشابهة التي نشآ فيها إلى جانب الموهبة الاستثنائية والنجاح الذي حققاه في سن مبكرة، دورا في خلق حالة من التقارب الإنساني والفني بينهما. اللافت أيضا أن أيا منهما لم يسع إلى استثمار الشائعات المتداولة حول علاقتهما لتحقيق مكاسب جماهيرية أو دعائية رغم أن مثل هذه القصص كانت كفيلة بإثارة اهتمام الصحافة والجمهور في ذلك الوقت.
تعاون وحيد جمع بينهما
ورغم أن عبد الحليم شارك البطولة السينمائية مع عدد كبير من أبرز نجمات الشاشة في تلك الحقبة، فإن تجربته مع سعاد حسني لم تتكرر بعد فيلم "البنات والصيف" وتذهب بعض الروايات إلى أن المخرج حسن الإمام كان قد رشح سعاد لتشارك عبد الحليم بطولة فيلم "الخطايا" عام 1962 قبل أن تستبعد من المشروع ويُسند الدور إلى نادية لطفي. وبينما لم يُحسم السبب الحقيقي وراء هذا التغيير، ظهرت تكهنات تربط القرار برغبة عبد الحليم نفسه ما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة: هل كان يسعى إلى تجنب المزيد من الشائعات التي لاحقتهما؟ أم أن هناك تفاصيل أخرى فضل الطرفان إبقاءها بعيدة عن الأضواء؟
قصة الزواج بين التأكيد والنفي
وتزداد القصة تعقيدًا مع الروايات التي تحدثت عن زواج عرفي جمع النجمين. فالصحفي الراحل مفيد فوزي كان من أبرز المدافعين عن هذه الرواية، إذ أكد في أكثر من مناسبة أن العلاقة التي بدأت بحسب روايته في أواخر الخمسينيات انتهت بالزواج السري مشيرا إلى أن عبد الحليم كان شديد الغيرة على سعاد ويحرص على متابعة تفاصيل حياتها اليومية، فيما كانت هي تزوره في ساعات متأخرة للاطمئنان على حالته الصحية.
كما تعددت التفسيرات التي قدمها المقربون من الطرفين لتبرير إخفاء هذا الزواج المزعوم، وكان أبرزها الخوف من تأثير الإعلان عنه على الصورة الجماهيرية لعبد الحليم حافظ الذي ارتبط في أذهان جمهوره بصورة العاشق والرجل الرومانسي، وهو ما دفع البعض للاعتقاد بأن زواجه قد ينعكس سلبا على شعبيته خصوصا بين معجباته.
وبعد العديد من السنوات من الشائعات التي لم تحسم، جرى تداول نسخة من عقد زواج قيل إن من بين شهوده الفنان يوسف وهبي والإعلامي وجدي الحكيم وإن شيخ الأزهر حسن مأمون هو من تولى إتمامه. غير أن منتقدي هذه الوثيقة أشاروا إلى تناقضات زمنية تضعف من مصداقيتها، إذ لم يتول حسن مأمون مشيخة الأزهر إلا عام 1964 بينما تشير أغلب الروايات إلى أن العلاقة كانت قد انتهت قبل ذلك التاريخ.
بقيت القضية معلقة بين روايات متضاربة، فمفيد فوزي أكد امتلاكه وثائق تدعم صحة ما يرويه، كما دعمت جانجاه شقيقة سعاد حسني رواية الزواج واعتبرت عبد الحليم زوجها الأول، وروت في أكثر من لقاء مدى تأثر سعاد من بعد الانفصال بذكر عبد الحليم كما أن والدتها حذرتها من ذكر ذلك أمامها خشية أن تؤلمها.
في المقابل نفى مقربون من العندليب من بينهم الموسيقار هاني مهنا في أحد اللقاءات زواج حليم والسندريلا مؤكدا على وجود علاقة طيبة وحب بين الطرفان لكنها لم تتكلل بالزواج وبرر ذلك بأن الأطباء منعوا عبد الحليم من الارتباط بسبب حالته الصحية.
كما حاولت أسرة عبد الحليم حافظ خلال السنوات الأخيرة تقديم ما تعتبره أدلة تدعم روايتها للأحداث. ففي العام الماضي نشرت وثيقة قالوا إنها خطاب بخط يد سعاد حسني، مؤكدة أنها تحققت من صحة نسبته إليها. ووفقا لتفسير الأسرة فإن الرسالة كُتبت في فترة أعقبت انتهاء العلاقة بين النجمين، وتظهر فيها سعاد وهي تخاطب عبد الحليم مباشرة وتعبر عن مشاعرها تجاهه وما سبب لها قرار الابتعاد من ألم وحزن.
وتكشف كلمات الرسالة بحسب الرواية المتداولة، عن حالة عاطفية شديدة عاشتها سعاد في تلك المرحلة، إذ تصف نفسها بأنها "أتعس مخلوقة على وجه الأرض" في تعبير يعكس حجم المعاناة التي شعرت بها بعد انتهاء العلاقة. غير أن اللافت في الوثيقة أنها لا تتضمن أي إشارة صريحة أو ضمنية إلى وجود زواج بين الطرفين، وهو ما اعتبرته أسرة عبد الحليم دليلا إضافيا يدعم موقفها الرافض لرواية الزواج السري التي ظلت تتردد لعقود.
وبين التأكيد والنفي ظلت قصة عبد الحليم وسعاد واحدة من أكثر الحكايات غموضا وإثارة للجدل في تاريخ الفن العربي، وهي قصة ربما تكمن جاذبيتها الحقيقية في أن الحقيقة الكاملة بشأنها لم تُحسم حتى اليوم.






