أصدر عبد الرحمن رشدي مؤخرًا أغنيته الجديدة "ده حبيبي" لتكون ثاني إصداراته هذا العام بتوقيع مصطفى ناصر في الكلمات وألحان رشدي إلى جانب ماهر الملاخ الذي تولى التوزيع.
وكما يتضح من عنوانها تنحاز الأغنية بوضوح إلى مساحة الحب والرومانسية، مستلهمة إيقاعاتها من الموسيقى النوبية وهو ما يتجلى في حضور الدفوف بالخلفية دون أن يخلو التوزيع من تفاصيل ثرية كالجيتارات والآلات الحية.
هذه التركيبة تخلق حالة من الألفة والحنين أشبه برحلة زمنية إلى حقبة أكثر بساطة، وهي حالة تدفعنا للتأمل في مسيرة رشدي الممتدة قرابة عقد من الزمن، والتي تنقل خلالها بين ألوان موسيقية متعددة. فكيف كانت بداياته الأولى؟
عبد الرحمن رشدي وبدايات واعدة بالفصحى
ظهر عبد الرحمن رشدي لأول مرة أمام الجمهور عام 2015 من خلال حفل "ريد بل ساوند كلاش" أحد أبرز التجارب الموسيقية الحية التي جمعت بين فرقتي كايروكي وشارموفرز. ووفق نظام المنافسة استعانت كايروكي بموهبة صاعدة آنذاك هي عبد الرحمن رشدي، الذي قدم أغنية "يا روح" بنص فصيح وأداء لغوي متقن مدعوم بتوزيعات تميل إلى الروك، حيث برز حضور الجيتار الإلكتروني بشكل لافت.
في العام التالي أصدر أولى تجاربه بألبوم قصير بعنوان "يا روح" والذي ضم 6 أعمال اتسمت جميعها بالفصحى وبنزعة تأملية تميل إلى المناجاة والتضرع.
وفي السياق ذاته طرح في 2016 أولى أغنياته المنفردة "كل القلوب" مستندًا إلى نصوص مستوحاة من التراث الإسلامي وهو توجه عززه امتلاكه لمخارج ألفاظ دقيقة، إلى جانب رغبته الواضحة في انتقاء كلمات ذات طابع روحي وفكري. ولا يمكن إغفال تأثير تجارب سابقة ناجحة في هذا المسار مثل فرقة "ابن عربي" و Egyptian Project، والتي شكلت على ما يبدو مصدر إلهام لرشدي في اختياراته المبكرة.
نقطة انطلاق في "نقطة بيضا"
في 2017 شارك رشدي فرقة كايروكي في أغنية "نقطة بيضا" من الألبوم الذي حمل الاسم نفسه، وهي أغنية كتبها أمير عيد وتحمل بعدًا فلسفيًا حول صراع الإنسان بين الأمل واليأس. جاء صوت رشدي في ختام الأغنية محملًا بالألم لكنه بدا امتدادًا عضويًا لحالة العمل لا مجرد إضافة صوتية عابرة.
بعد ذلك شهدت مسيرته فترة هدوء على مستوى الإصدارات ربما كانت مكرسة للتحضير لأول ألبوماته الطويلة "الأسئلة" الصادر عام 2021 الذي ضم 10 أعمال جميعها بتوزيع معتز ماضي. الألبوم لم يخل من تعاونات لافتة مع أسماء مؤثرة مثل أمير عيد في "فصام" وأحمد كامل في "نشكي لمين" ومحمود الليثي في "الرزق".
ومع ذلك برزت "انتي الأحباب" كأكثر الأغاني انتشارًا وهي من كلمات وألحان رشدي نفسه حيث هيمن عليها حضور الجيتار الإلكتروني في استدعاء واضح لروح الروك مع مساحات هدوء مدروسة. ولعل أحد أسرار نجاحها يكمن في مرونة خطابها العاطفي، إذ تصلح كلماتها للمحبوبة وللأم وحتى للوطن، مدعومة بصدق أداء لافت يجعلها من أبرز محطاته.
ورغم أن "الأسئلة" قدم رشدي لقطاع أوسع من الجمهور بما يحمله من طابع فلسفي وتأملي، فإنه ظل تجربته الألبومية الوحيدة حتى الآن مفضلًا بعدها التركيز على الأغنيات المنفردة وإن كان بوتيرة إصدار متباعدة نسبيًا.
مرحلة ما بعد "الأسئلة"
في 2023 قدم أغنية "ياما" من كلمات محمد شافعي ألحان زيجا ورشدي وتوزيع زيجا، وهي أغنية يغلب عليها الطابع الشكائي ترصد خيباته في الناس وتقلبات العلاقات. ويُحسب للتوزيع هنا دوره في تعزيز الحالة الشعورية خاصة مع حضور آلة الكولة في الفواصل إلى جانب تصاعد الإيقاعات الإلكترونية في النصف الثاني من الأغنية، فيما جاء أداء رشدي مشبعًا بالألم متكاملًا مع فيديو كليب بسيط أخرجه أحمد قدري.
أما في 2024 فاتجه إلى مساحة رومانسية أكثر هدوءًا عبر "انتي القمر" التي حملت توقيع رشدي في الكلمات والألحان وتوزيع ماهر الملاخ مقدما اعترافًا رقيقًا بالحب ومؤكدًا قدرته على التنقل بين حالات شعورية مختلفة من العمق الفلسفي إلى البساطة العاطفية دون افتعال.
https://youtu.be/21cuGMcoUZw?si=2ZD0Fb2CZQwHfTGq
وجاء عام 2025 محملا بمحطات متباينة من بينها أغنية "زي ما إحنا" ضمن فيلم "سيكو سيكو" من كلمات فلبينو وألحان رشدي وتوزيع ماهر الملاخ- الذي تولى تأليف الموسيقى التصويرية للفيلم- التي جاءت منسجمة مع السياق لكنها لم تحظ بزخم موازي لنجاحه.
في المقابل بدا العام أكثر كثافة على مستوى الإصدارات، إذ قدم "صحاب الليل" بمشاركة هند عبد الحليم كحوار عاطفي بين شخصين متباينين يجمعهما الإحساس ذاته بتوزيع هادئ. غير أن "إزيك" كانت الأبرز جماهيريًا إذ قدمت خطابًا إنسانيًا دافئًا أقرب إلى "الطبطبة" يذكر المستمع بقيمته واستحقاقه للحب. اللافت أن الأغنية تجاوزت إطارها الرومانسي لتتحول إلى رسالة دعم متبادلة بين الأصدقاء والعائلة وهو ما عزز حضورها وانتشارها خاصة مع لازمة بسيطة لكنها مؤثرة.
بهذا المسار المتدرج يبدو عبد الرحمن رشدي فنانًا يبحث باستمرار عن التنوع، متنقلًا بين التجريب والصدق العاطفي، فبين نزوعه القديم نحو الفلسفة والتأمل ومحاولاته الأحدث للبساطة والدفء الإنساني، يتحرك رشدي في منطقة وسطى حساسة فهو لا يتخلى عن عمقه ولا يكتفي بخفة سائدة.
وربما تكمن قوته الحقيقية هنا تحديدًا في كونه فنانًا لم يحسم شكله النهائي بعد بل يتركه قيد التشكل مع كل تجربة. هذا التردد الظاهري ليس ضعفًا، بل وعي بأن النضج الفني لا يأتي دفعة واحدة بل عبر تراكم الأسئلة لا الإجابات.






