لم يكن هاني شنودة موسيقارًا مؤثرًا فحسب، بل صاحب بصمات ثورية في الأغنية المصرية، حين نزع عنها رداء الرومانسية الكلاسيكية، ومنحها روحًا متمردة بأغاني تتحدث عن واقع المجتمع والحياة والعلاقات عبر فرقته "المصريين" أو صوت محمد منير في بداياته.
هاني شنودة الذي ولد في مدينة طنطا عام 1943 هو تركيبة نادرة الوجود، الطفل الذي نشأ في أسرة قبطية خطف حب الموسيقى عبر ليالي المديح النبوي الإسلامي وحلقات الذكر في مولد السيد البدوي، وتفتحت أذنه على نغمات الإنشاد جنبًا إلى جنب مع صوت مفاتيح البيانو الكلاسيكي في منزل أسرته.
بداية رحلة هاني شنودة
انتقل هاني شنودة إلى القاهرة في ستينيات القرن الماضي لدراسة الموسيقى بكلية التربية الموسيقية، ومن هناك امتدت علاقاته داخل الوسط الفني ليبدأ رحلته كعازف في الفرق الغنائية الغربية المختلفة، إلا أن المحطة الأبرز في هذه المرحلة كانت انضمامة إلى فرقة Les Petits Chats "لي بتي شاه" الأشهر في هذه المرحلة والتي كانت الحاضنة لأشهر الموسيقيين الذين أصبحوا نجومًا فيما بعد .
في عام 1977 قرر هاني شنودة تأسيس فرقة "المصريين" لتكون أول فرقة غنائية شابة تُقدم أغاني باللهجة المصرية على إيقاعات غربية، ذلك الحلم الذي ولد في كواليس لقاء صحفي أجراه معه الأديب الراحل نجيب محفوظ عندما سأله : إذا كنتم في فرقة "لي بتي شاه" تغنون كلمات غربية على موسيقى غربية، فلماذا لا تغنون على هذه النغمات كلمات مصرية؟
انطلاقة فرقة المصريين
انطلقت فرقة "المصريين" بأولى ألبوماته "بحبك لا" والذي مثل ثورة حقيقية في شكل الأغنية الاجتماعية، كلمات تكسر قاموس الحب التقليدي، موسيقى تحاكي التوزيعات الغربية وعلوم الهارموني والكونتربوينت، أصوت جديدة كانت غريبة على أذن المستمع المصري الذي أحب أغنيات مثل " ماشية السنيورة"، "ماتحسبوش يابنات"، "مسألة السن"، و "لما كان البحر أزرق" وغيرها من الأغاني التي غاصت في واقع الحياة اليومية.
هاني شنودة مكتشف محمد منير وعمرو دياب
لم تتوقف بصمات هاني شنودة عند حدود فرقته بل كان عرابًا لجيل كامل يبحث عن الفرصة في حقبة شهدت رحيل العمالقة عبد الحليم وأم كلثوم وفريد، فالتقط موهبة محمد منير بمساعدة صديقه الشاعر عبد الرحيم منصور وقدماه في أول ألبوماته "علموني عنيكي" في عام 1977، ثم قدم له ألبومه الثاني "بنتولد" عام 1978، ليؤسس مشروع نجم جديد يحمل في حنجرته حنين التراث النوبي وتمرد شباب السبعينيات.
في مطلع الثمانينيات التقطت أذنه الشاب الصاعد – آنذاك- عمرو دياب عندما قابله في حفل لفرقة المصريين بمدينة بورسعيد، فدعاه للسفر إلى القاهرة لدراسة الموسيقى، وقدمه للوسط الفني في ألبومه الأول "ياطريق" عام 1983 .
لم تتوقف إسهامات هاني شنودة عند حدود اكتشاف الأصوات الجديدة، بل كان سببًا في تغيير صوت وفلسفة الكثير من النجوم الكبار مثل نجاة وفايزة أحمد وعفاف راضي، حتى أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب كان معجبًا بأعماله وقال له : "إنت أقرب الخواجات لينا" في إشارة إلى موهبته في مزج الأغنية الشرقية بالموسيقى الغربية.
بل امتدت بصمات هاني شنودة إلى الأغنية الشعبية عندما قدم لأحمد عدوية أغنيته الأسطورية "زحمة" التي أثارت جدلًا اجتماعيًا وسياسيًا وقتها .
موسيقى ومقطوعات إلى جانب الأغاني
بعيدًا عن الأغنية ترك هاني شنودة إرثًا لا يقدر بثمن في مجال الموسيقى التصويرية، مقطوعاته الشهيرة مرت عبر الزمن لتحفر نغماتها في وجدان أجيال متتالية مثل موسيقى أفلام "المشبوه"، "شمس الزناتي" ، و"لاعزاء للسيدات" وعشرات المقطوعات التي ساهمت في شهرة أفلامها .
حتى مقطوعاته الخاصة التي أصدرها في ألبومات "المصريين" مثل مقطوعة "لونجا 79" أصبحت جزءًا من النسيج الثقافي المصري خاصة مع انتشارها كتتر لبرنامج رياضي مصري شهير لأكثر من عقدين، قبل أن تصل إلى جوائز "الجولدن جلوب" وتُعزف في الحفل حين صعد الممثل الأمريكي من أصل مصري رامي يوسف ليتسلم الجائزة عن مسلسله "رامي" الذي كانت مقطوعة هاني شنودة هي تتره الرئيسي .
رحل هاني شنودة إلا ان إرثه الفني الكبير لن يرحل، مثله مثل عباقرة ظلت موسيقاهم وأعمالهم حية مستمرة في إيامنا وحكاياتنا وذكرياتنا .






