يقدّم شاب مومو نفسه كامتداد لسلسلة طويلة من الأصوات التي شكلت مشهد الموسيقى الجزائرية، يُعيد تشكيل نفسه داخل مساحة مألوفة سمعيًا وعاطفيًا الآن ليست مجرد طيفًا من الماضي. في واحدة من مقابلاته يختصر مشروعه الفني قائلًا: "أنا فنان دواخ، زنقاوي وسونتيمونتال، عندي أغاني مألوف، ونغني كل شي". هذه الجملة تضعه مباشرة داخل تقاطع واضح بين الراي والمألوف والأغنية العاطفية الشعبية.
قسنطينة والمألوف: الجذور الأولى في تجربة شاب مومو
يُعد المألوف أحد الأشكال الكلاسيكية للغناء والموسيقى في الجزائر. ارتبط بالذاكرة الثقافية للمدينة، تتناول نصوصه موضوعات تمتد من الغزل والطبيعة إلى الفراق والمدائح الدينية، تعود جذوره أساسًا إلى التراث العربي الأندلسي. شاب مومو خرج من هناك، من مدينة قسنطينة: المدينة التي لا يمكن فصلها عن تراث المألوف سواء في الأعراس أو الاحتفالات والمناسبات العامة.
هذا الحضور اليومي للموسيقى في البيت والشارع لديه شكّل مدخل شاب مومو الأول إلى الغناء، حيث بدأ بالمألوف قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى الراي، من دون أن يقطع صلته بالجذور. يذكر في أكثر من مقابلة أن رواد المألوف القسنطيني، مثل محمد الطاهر الفرقاني، شكّلوا جزءاً من ذاكرته السمعية المبكرة، وأن حب المألوف هو ما دفعه أساساً إلى الموسيقى.
على مستوى التأثيرات، لا يخفي شاب مومو تأثره المباشر برموز الراي العاطفي خصوصًا الشاب حسني، إلى جانب الشاب عقيل والشاب حسام.
تظهر هذه التأثيرات بوضوح في اختياراته اللحنية، وفي ميله إلى الأغنية ذات البناء التدريجي الطويلة نسبيًا، كما في "كي تتفكريني" أو "انساني وانسايني حكايتي"، حيث تُترك المساحة الزمنية لتخدم التعبير العاطفي بدلاً من اختزاله.
ارتباط حياته الشخصية بالانطلاقة الفنية
انعكست تجربة شاب مومو الشخصية بشكل واضح على مساره الفني. فقبل أن يعلن حضوره كمغني، كان يعمل موظفاً في إحدى المؤسسات الحكومية، لبناء حياة مستقرة بعيدًا عن الموسيقى. كما خاض تجربة هجرة غير نظامية انتهت بعودته إلى الجزائر بعد فترة قصيرة لأنه أراد البقاء قريبًا من عائلته.
شكّلت هذه العودة لحظة فاصلة في مسيرته. بعد عودته، بدأت شهرته تتشكل تدريجيًا من خلال أدائه لأغانٍ معروفة تأثر بها، سواء عبر تسجيلات متداولة أو من خلال الغناء في الأعراس والمناسبات، حيث بنى علاقة مباشرة مع الجمهور. أسهم هذا الاحتكاك اليومي بالناس وعلى مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات في تثبيت صوته داخل مشهد الراي، تمامًا مثلما يظهر في الفيدوهات التي يظهر فيها، مهّد كل ذلك لانطلاقته الأوسع.
بدأت شهرته تتوسع تدريجيًا إلى أن جاءت نقطة التحوّل عام 2017 مع أغنية "عشقها فات الحدود"، التي نقلته إلى مستوى آخر من الحضور الجماهيري، ورسّخت صورته كمغني قريب من جمهور الراي، يعتمد على الإحساس أكثر من الاستعراض، ومهّدت لاحقاً لمرحلة إطلاق أعماله الخاصة بوتيرة مدروسة.
آخر الإنتاجات والتعاونات: تثبيت الهوية وتوسيع الحضور
خلال العامين الماضيين، واصل شاب مومو تعزيز حضوره في مشهد الراي من خلال أعمال جديدة رسخت هويته الفنية. عام 2024، طرح أغنية "أوكسيجين"، التي رسخت صوته ووضعته في صدارة المطورين لصوت الراي الجديد، حيث دمج التأثيرات المعروفة مع مسار إنتاجي محافظ على روح الراي الأصيلة، من دون الابتعاد عن جذوره.
في عام 2025، شهدت مسيرته غزارة أكبر في الإنتاج، مع ميل واضح إلى تقديم أغاني خاصة أكثر من الكوفرات التي اشتهر بها، مثل أغنية "عطيتها لامور" التي أكدت قدرته على الاستمرار في تقديم أعمال أصلية تفرض أسلوبه الخاص.
إلى جانب إنتاجه الفردي، تميز شاب مومو بالتعاونات التي جمعته بفنانين آخرين، أبرزها مع دجليل باليرمو في أغنية "سهران الليل"، ومع بيبي مايسترو في "غير أنا وياك"، ما أتاح له توسيع دائرة جمهوره وإبراز مرونته في التنقل بين الرؤية الفردية والتعاون الموسيقي.
يتقدّم شاب مومو بالغناء كامتداد طبيعي لمسار موسيقي واجتماعي وثقافي راسخ في بلاده، محافظًا على حدود مألوفة يعرفها الجمهور، ووعي بكيفية إعادة تفعيلها دون استنزافها.
تركز تجربته على إبقاء صوته حيًا ومفهومًا، قابلًا للتكرار والانتشار، مع الحفاظ على تأثيره العاطفي داخل مشهد الراي والموجة الجديدة من تطوير صوته، من دون أن يفقد معناه أو صلته بالموروث الموسيقي.






