إذا كان مشهد الهيب هوب المغربي قد فرض نفسه خلال السنوات الأخيرة كأحد أكثر المشاهد حيوية في المنطقة، فإن اسم عصام يبرز ضمن التجارب التي ساهمت في إعادة تشكيل هذا الصوت، حتى وإن لم يحظَ بالانتشار الجماهيري الذي حققته أسماء أخرى.
في عام 2018، اتجهت الأنظار نحو المغرب مع إصدار "تراب بلدي"، العمل الذي يمكن اعتباره نقطة تحوّل في مسار التراب المحلي. لم يكن التراك مجرد تجربة ناجحة، بل طرح مقاربة سبقت وقتها، ومهّدت لمرحلة جديدة في المشهد. منذ اللحظة الأولى، يعلن عصام انتماءه المكاني عبر إشارة مباشرة إلى حي درب سلطان في الدار البيضاء، أحد الأحياء ذات الثقل التاريخي والثقافي، وهو ما انعكس بوضوح على هويته الفنية.
تتجلّى هذه الهوية أيضًا في البعد البصري، حيث اعتمد أسلوبًا مستلهمًا من أجواء الثمانينيات، مع حس فينتاج واضح في الكليبات. لم تكن الصورة مجرّد خلفية، بل امتدادًا عضويًا للصوت، تنقل تفاصيل المدينة من العمارة إلى الأزياء والإكسسوارات، وصولًا إلى مفارقات بصرية مثل حضور علامات عالمية ضمن سياق محلي.
موسيقيًا، يتقاطع مشروع عصام مع تأثيرات التراب العالمي، بما في ذلك أعمال يانغ ثاغ، غير أن الأثر الأعمق جاء من موسيقى الراي، وتحديدًا من تجربة الشاب حسني. هذا التداخل قاده إلى صياغة مصطلح "التراي"، كمحاولة لدمج البنية الإيقاعية للتراب مع الحس الغنائي العاطفي للراي. لم يبقَ هذا الطرح نظريًا، بل تحوّل إلى موجة ملموسة داخل المشهد، يمكن تتبّع صداها في أعمال لاحقة مثل “مكانش زهر”.
بلغ هذا التوجه ذروته في ألبومه الأول “كريستال”، حيث وسّع عصام تجربته عبر إدخال عناصر من البوب والغناوة، واضعًا بذلك أرضية جديدة للتجريب داخل الهيب هوب المغربي. بدا الألبوم كأنه اقتراح مفتوح أكثر منه بيانًا نهائيًا، وهو ما شجّع على تنويع الأصوات داخل المشهد لاحقًا.
رغم هذا المسار التصاعدي، تراجع حضور عصام في السنوات التالية، ما أثار تساؤلات حول أسباب غيابه في لحظة كان فيها في ذروة تطوّره الفني. الإجابة جاءت مؤخرًا، مع حديثه عن معاناته مع الاكتئاب خلال السنوات الست الماضية، وتأثير ذلك على علاقته بالموسيقى وبالجمهور. هذا التصريح أعاد وضع تجربته ضمن سياق إنساني أوسع، وفتح بابًا لقراءة مختلفة لمسيرته.
اليوم، ومع بداية عام جديد، يبدو أن عصام يستعد لمرحلة أخرى. عودته بإصدار جديد بالتعاون مع المنتج برنس 85 تشير إلى رغبة في استئناف المشروع من موقع مختلف، مع إبقاء الأفق مفتوحًا أمام احتمالات أوسع. في هذا السياق، لا تبدو العودة مجرد استمرارية، بل محاولة لإعادة تعريف الذات، انطلاقًا من تجربة شخصية وفنية أكثر تعقيدًا.

