منذ مطلع الألفية الجديدة، لم تعد النجومية الغنائية في العالم العربي وليدة الإذاعة أو شركات الإنتاج وحدها، بل أصبحت تُصنع على الهواء مباشرة، أمام ملايين المشاهدين. برامج اكتشاف المواهب تحوّلت من مجرد مسابقات تلفزيونية إلى منصّات تصنع الأسماء، وتغيّر مسارات، وتعيد رسم خريطة الغناء العربي جيلًا بعد جيل.
من "سوبر ستار" الذي منح الجمهور سلطة الاختيار للمرة الأولى، إلى "ستار أكاديمي" حيث باتت الشخصية جزءًا من النجاح، مرورًا بـ "آراب آيدول" بصوته العربي العابر للحدود، وصولًا إلى "ذا فويس" الذي أعاد الاعتبار للصوت قبل كل شيء… ما أبرز هذه التجارب؟ ومن هم النجوم الذين خرجوا من عباءتها؟
سوبر ستار.. الجمهور يحكم
بعد تجارب مفصلية شهدتها التسعينات، وفي مقدمتها برنامج "استديو الفن"، جاء عام 2003 ليشكّل نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ برامج اكتشاف المواهب الغنائية في العالم العربي. حينها انطلق برنامج "سوبر ستار" بنسخته العربية المقتبسة عن Pop Idol، ليكون أول برنامج يعتمد كليًا على تصويت الجمهور، مُحدثًا انقلابًا في معايير صناعة النجومية. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد الصوت وحده كافيًا، بل أصبح القبول الجماهيري المبكر هو العامل الحاسم، حتى وإن سبق النضج الفني أحيانًا.
في موسم البرنامج الأول فازت الأردنية ديانا كرازون باللقب، ثم توالى بعد ذلك فوز كل من أيمن الأعتر بالموسم الثاني عام 2004، وإبراهيم الحكمي بالموسم الثالث 2005، ومروان علي في الموسم الرابع 2007، وأخيرا إيلي بيطار الفائز بالموسم الخامس والأخير عام 2008.
البرنامج في مواسمه التالية قدم نجومًا أصبح لهم فيما بعد بصمة واضحة في عالم الغناء رغم عدم فوزهم بلقب البرنامج، منهم اللبناني ملحم زين، المتنافس على لقب الموسم الأول، والذي حقق مسيرة فنية تعد هي الأنجح بين أقرانه، خاصة بعدما أطلق أول ألبوماته "إنت مشيتي" فور انتهاء البرنامج وحقق نجاحًا ساحقًا.
ستار أكاديمي.. الفن حياة
في عام 2003 نفسه، وقبل أن تنتهي أيام السنة، كان الجمهور على موعد مع نسخة مختلفة من برامج اكتشاف المواهب، إذ انطلق برنامج "ستار أكاديمي" مقدما نموذجاً مختلفًا عما سبقه، بات فيها الأداء، الشخصية، والتطور اليومي، من أهم عناصر النجاح الأساسية.
من أبرز أسماء هذا البرنامج المصري محمد عطية الفائز في الموسم الأول، وفي هذه النسخة أيضًا، ورغم عدم فوزهم، نجح عدد من المشاركين في إثبات حضورهم على الساحة الفنية، مثل بشار الشطي، وسمية الجويني، وبهاء الكافي.
في المواسم التالية، كان الجمهور على موعد مع مواهب قوية؛ مثل جوزيف عطية في الموسم الثالث، وشذى حسون في الموسم الرابع، ونادر قيراط في الموسم الخامس.
ومن محاسن الصدف، أن هذا البرنامج كان بوابة الجمهور للتعرف على العراقية رحمة رياض، التي شاركت في الموسم السابع 2010، ثم تحولت لاحقًا إلى واحدة من أهم نجمات الغناء العراقي والعربي، والتي ستصبح فيما بعد حكمًا في برامج اكتشاف المواهب.
على دربها سار السوري ناصيف زيتون، الذي حاز لقب الموسم نفسه، وبنى مسيرة مستقرة قائمة على التنوع والاختيارات الذكية، وأصبح فيما بعد أيضا حكمًا في برامج اكتشاف المواهب إلى جانب رحمة رياض وأحمد سعد.
من أهم مميزات برنامج "ستار أكاديمي"، هو تميز إدارة البرنامج في كيفية صناعة نجم على المدى الطويل، والتعامل مع الموهبة الحقيقية لا كمجرد صوت مكتشف بل نجم مستقبل.
إكس فاكتور.. الجودة أولًا
إكس فاكتور هو برنامج بريطاني الأصل، وتم تعريبه لاكتشاف المواهب في الوطن العربي، لكنه مر بعدة مراحل، إذ انطلق لأول مرة على شاشات روتانا عام 2006، في موسمه الأول، وفاز باللقب المغربي رجاء قصابني، وفي الموسم الثاني عام 2007، فاز السوري محمد المجذوب.
المرحلة الثانية من عمر البرنامج بدأت مع موسمه الثالث، عام 2013، على قنوات MBC، وفاز في هذا الموسم المغربي محمد ريفي، فيما فاز بلقب الموسم الرابع السعودي حمزة هوساوي.
المرحلة الثالثة جاءت على تلفزيون دبي بداية من الموسم الخامس، عام 2024، وفازت باللقب المصرية حنين الشاطر، أما الموسم السادس والأخير عام 2025، فاز فيه السوري عبد الرحيم الحلبي باللقب.
ورغم قِصر عمر برنامج إكس فاكتور، فإنه ركز على الاحترافية والتجهيز الفني الحقيقي للمواهب الشابة.
آراب أيدول.. صوت عربي واحد
في عام 2011، انطلق "آراب آيدول" على قناة MBC، ليكون البرنامج العابر للحدود، خاصة مع نجاحه في جمع شمل العرب على خشبة مسرح واحدة، ليكون أشبه ببرنامج قومي عربي.
البرنامج توقف لبعض سنوات منذ عام 2017، لكن منذ أيام، وفي خبر سار، أعلن علي جابر، المدير العام لمجموعة شبكة قنوات MBC، عودة البرنامج إلى الشاشة مرة أخرى وبحلة جديدة عام 2026، مشيرًا إلى أنه سيشارك ضمن لجنة التحكيم في الموسم الجديد.
من أشهر مواهب البرنامج الذين أصبح لهم باع في عالم الغناء لاحقًا، تأتي المصرية كارمن سليمان الفائزة بلقب الموسم الأول عام 2012، وفي عام 2013، فاز الفلسطيني محمد عساف، وفي عام 2014، حصد السوري حازم شريف اللقب، فيما ذهبت النسخة الأخيرة عام 2017، إلى الفلسطيني يعقوب شاهين.
في الوقت نفسه، ورغم عدم فوزه، برز اسم المصري أحمد جمال، وصيف الموسم الثاني، كمطرب له تجربة غنائية، ونجح في حجز مكانه في السوق الغنائي بقوة.
ذا فويس.. الصوت الأهم
في عام 2012، انطلق برنامج "ذا فويس" بنسخة عربية، معتمدًا على فكرة "الصوت قبل الشكل"، وهو ما منح البرنامج أهمية كبيرة لدى الجمهور والمتسابقين في الوقت ذاته، خاصة مع تعدد المواهب الغنائية التي ظهرت خلاله، كما تميز البرنامج بإعادة الهيبة للأداء الحي، وبناء علاقة فنية حقيقية بين المدرب والمتسابق.
يتصدر أشهر الفائزين في البرنامج المغربي مراد بوريقي، الفائز بلقب الموسم الأول عام 2012، ثم العراقي ستار سعد في الموسم الثاني 2014، ثم الأردنية نداء شرارة، خلال منافسات الموسم الثالث 2015.
في الموسم الرابع حصدت العراقية دموع تحسين اللقب بعد منافسة شرسة عام 2018، فيما فاز التونسي مهدي عياشي بلقب الموسم الخامس عام 2019، وأخيرا توجت السورية جودي شاهين بلقب الموسم السادس عام 2026.
أجيال متعددة من ذا فويس
صدر من البرنامج نفسه نسختين ساعدتا على اتساع المنافسة بين الأعمار، ليتفرد البرنامج بمخاطبة كل الأجيال دون تمييز.
النسخة الأولى كانت "ذا فويس كيدز "، والتي يتنافس خلالها الأطفال على لقب أحلى صوت، وفاز بلقب الموسم الأول اللبنانية لين الحايك، فيما فاز المغربي حمزة لبيض بلقب الموسم الثالث، واختتم السوري محمد إسلام رميح آخر نسخة بحصد اللقب.
أما النسخة الثانية من البرنامج كانت "ذا فويس سينيور"، والتي فتحت الباب أمام كبار السن للمنافسة على موهبة لم تسمح لهم الظروف بتنميتها أو احترافها، وفاز في النسخة الوحيدة المعروضة حتى الآن، اللبناني عبده ياغي.
ليس مجرد ترفيه
كدت برامج اكتشاف المواهب على امتدادها أنها ليست مجرد ترفيه، بل لعبت دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الذوق الفني العربي، وخلق نجوم من العدم خارج مراكز الأضواء، وأخيرا توثيق تحولات الغناء العربي عبر العقود.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن معظم النجوم الذين صمدوا طويلًا، لم يكونوا بالضرورة أصحاب الأعلى تصويتًا، بل أصحاب أصوات نجحت في التكيف مع الزمن.






