في أواخر العام الماضي، أعلن عفروتو خلال بث مباشر عبر صفحته الرسمية على إنستغرام دخوله مرحلة جديدة من الإصدارات الموسيقية، مؤكدًا أنه لن يضع أي اعتبارات تجارية ضمن أولوياته، مفضّلًا التركيز الكامل على السرد الذاتي والموضوعات الشخصية بوصفها وسيلته الأساسية للتعبير عن ذاته.
تبع هذا الإعلان قرار آخر تمثل في الانسحاب التام من منصات التواصل الاجتماعي، مع الامتناع عن استخدامها حتى في الترويج أو التشويق لإصداراته الجديدة.
هذه التحولات، إلى جانب إصداراته الأخيرة التي اتسمت بإنتاج موسيقي بسيط وتجريبي ومغاير بشكل واضح لأعماله السابقة، دفعتنا لطرح تساؤل أساسي: هل هذا الأسلوب في الكتابة والأداء جديد تمامًا على عفروتو؟ ومن هنا اتسع السؤال ليشمل صورة أعمق: من هو عفروتو خارج إطار الهيتات التي ارتبط اسمه بها؟ وهل طغت هذه النجاحات الجماهيرية على مجمل إنتاجه الفني إلى حد جعله هو نفسه يضجر منها، ويعلن بوضوح عن مرحلة جديدة يسعى فيها للتخفف من ثقلها وتشويشها؟
وبمناسبة عيد ميلاده التاسع والعشرين، عدنا إلى إصدارات عفروتو وتعاوناته المختلفة لنختار تسعة تراكات نرى أنها لم تنل التقدير الكافي من الجمهور. تضم هذه المختارات أعمالًا من بداياته أسهمت في ترسيخ الأسلوب الذي ظهر لاحقًا في هيتاته الكبرى، وأخرى كشف فيها عن وجه مختلف بعيدًا عن القالب الجماهيري السائد، إلى جانب محطات مهمة من بدايات صعود نجمه.
دايخة – بالتعاون مع وزة منتصر
في “دايخة”، وعلى إيقاعات المهرجان التي قدّمها وزة منتصر، يستلهم عفروتو سرديته من روح الأغنية الشعبية، مرتكزًا على ثيمتي المظلومية والغدر لكن بصيغة معكوسة؛ إذ يشكو من طباع المحيطين به ممن يدّعون المظلومية، رابطًا هذا السلوك بالتوحش. وفي المقطع الثاني، يتناول فكرة التكتلات القائمة على الشللية والمصالح بوصفها آلية هشة لإقصاء المواهب الحقيقية. هذا المنطق يسخر منه وزة منتصر مستخدمًا الحكمة الشعبية، واصفًا الدنيا بأنها “زايفة”، ومؤكدًا أن محاولات إضعاف الآخرين وإسقاطهم تظل مرهونة في النهاية بمقولة: “إنت وحظك”.
- "قدري" مع مروان موسى
من شر الآخرين إلى تأمل الرحلة من خلال الذات، يأتي تراك "قدري" كمحاولة ثنائية لمراجعة المسيرة والغرض من إنتاج الموسيقى بعد مرحلة السطوع التجاري. والبحث في التناقضات النفسية بين الهدوء والغضب، والرزانة والاختلال التي تلهم الرابر للكتابة والتعبير عن ذاته. ولا يخلو السرد الذاتي من اعتراف باحتمالية عدم حقيقية كل ما يسرده الفنان عن نفسه أو يقدمه من خلال بار ذكي "الدنيا محكمة بنشهد فيها زور ونحاول نضحك على القاضي".
-"متفقين "
ينطلق التراك من منطقة داكنة للغاية، يربط فيها الألم والخذلان بالنضوج والتعلّم. وتغيب لغة التبجّح بشكل واضح، ليحل محلها اعتزاز هادئ بالذات، إلى جانب محاولات دائمة للابتعاد عن المشتتات والتركيز على الحلم والهدف. وقد استطاع هذا التراك أن يحقق انتشارًا لافتًا في بدايات مسيرة عفروتو، بفضل إجادته كتابة هوكات قوية تتناسب مع طبيعته الدرامية الحزينة، مثل: «الهم مصاحبني/ بس لو نِدِلّ اجتنبني» و«العمر بيعدي/ بيسلّم ويمشي». وشكّلت هذه المحاولة الناجحة تمهيدًا لواحد من أنجح تراكات عفروتو لاحقًا، وهو تراك «سيجارة».
-"حالة"
بنفس المستوى الذي ظهرت به الهوكات المستخدمة، والمضاف إليها الأداء الغنائي العميق، جاء تراك «حالة» ليقدّم حالة عاطفية غارقة في الأحاسيس. واعتمد التراك في ثيمته على استدعاء الذكريات وتأثيرها النفسي والجسدي. وبرغم غياب التجديد الواضح في الكلمات أو وجود بارات قوية بالمعنى التقليدي، تحوّلت المصطلحات التلقائية والكليشيهية إلى نقطة قوة، بفضل أسلوب الكتابة الخاص الذي يعتمده عفروتو.
وقد ترك تكرار العديد من البارات، خصوصًا في الكورس، لمسة نقية وبسيطة، وكأننا نستمع إلى طفل يتذمر من الحياة بعد أن ضاق بها، في لحظة صفاء تفتقد للنضج، نتمنى لو نستطيع عيشها والتعبير عما بداخلنا بالصوت نفسه. ويُعد ذلك دليلًا على أن الأمر لا يتعلق دائمًا بجودة العمل الموسيقي بقدر ما يرتبط بتفاصيل صغيرة تتلاقى مع المستمع، فيشعر أنها تعبّر عنه بصدق.
-"زمان"
تحظى أغاني استعادة الذكريات اليومية وتفاصيلها العادية بمكانة خاصة لدى جمهور الفنانين الذين يقدمونها، لأنها غالبًا ما تمثل وثيقة جماعية يرتبط بها أبناء الجيل نفسه، وقد قدّمها فنانو أجيال مختلفة. ولعل من أبرز نماذجها في العقدين الماضيين أغنية «ساعات بشتاق» لمحمد فؤاد، الصادرة عام 2010.
في تراك «زمان»، وعلى إيقاعات ريفات الجيتار الإسباني الممزوجة بلحن أفروبيت، يستحضر عفروتو ذكريات شريحته العمرية، من لعب كرة القدم في الشوارع إلى السهر أمام مباريات المصارعة الحرة المذاعة ليلًا. ولا يلتزم في أدائه بقافية أو إيقاع ثابت، بل يعتمد على سرد استرسالي يمنح التراك إحساسًا عاليًا بالحميمية. وقد صدر التراك ضمن ألبوم «أفضل أغاني 2024»، وتولى إنتاجه الموسيقي توشا.
-"الحرب ابتدت" بالتعاون مع سادات العالمي
يكتسب هذا الإصدار أهمية محورية في مسيرة عفروتو، سواء لدوره في توسيع انتشار موسيقاه مبكرًا أو في تنويع وتكبير قاعدته الجماهيرية. فضلًا عن ذلك، كان له تأثير واضح على بلورة أسلوبه الموسيقي الذي شكّل لاحقًا هويته الحماسية. وقد جمع المهرجان بين روح المواجهة العنيفة في البارات المقدّمة والإنتاج الموسيقي المستمد من ضجيج الموجة الأولى لمهرجانات الأولد سكول.
-"الهالويين" بالتعاون مع سادات العالمي
سيُحسب لعفروتو دائمًا أنه قاد إصدارًا عاطفيًا يشاركه فيه سادات العالمي، في منطقة تُعد نادرة ضمن مسيرة الأخير. وقد استلهم العمل ثيمة عيد الهلع (الهالوين) ليقدّم اسكتشًا عاطفيًا يناقش تأثير الأهداف والطموحات الشخصية على العلاقات القريبة. تنهار العلاقة هنا نتيجة اختلاف الشخصيتين بعد تطور أحدهما؛ المُحب جريء ومقدام وحالم، فيما تبقى المُحبة أسيرة الروتين والتقليدية.
ويأخذ السرد نبرة تأسي ساخرة عند لحظة إدراك هذا الاختلاف، مشبهًا إياها بلقاء شخص متنكر في مناسبة الهالوين، إذ يبدو من المستحيل تصديق أن تلك هي شخصيته الحقيقية. وكعادته، يتمسك عفروتو في كتابته بتفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى كليشيهية، مثل «حب الطفولة المتشكل بحكم الجيرة» أو «جنون الصبا»، لكنه ينجح في كل مرة في إيجاد قالب متجدد يمنح هذه التعبيرات حياة جديدة.
في المقابل، يقدّم سادات العالمي أداءً غنائيًا شاعريًا مطعّمًا بالمصطلحات الشعبية، يظهر فيه بروح أقرب إلى الغناء الشعبي منها إلى المهرجان. وجاءت هذه التجربة ضمن ألبوم سادات العالمي «مزيكا القرن 21»، الذي ضم تعاونات مع مولوتوف، وويجز، ووزة منتصر، ودي جي توتي، ووديبي جاد، وتربو، وآخرين.
- ابن السيوف
يأتي هذا التراك في بدايات صعود مسيرة عفروتو كواحد من التراكات المهمة التي لم يُلقَ عليها الضوء الكافي. امتاز بالروح الحماسية والأسلوب المندفع، خصوصًا في بارات مثل: «عفرت ييجي ويدمركوا بكروتي» و«عصبي زي الطور». كما احتوى على بارات أُعيد استخدامها لاحقًا بشكل رئيسي في تراك «برازيل» مع مروان موسى، مثل: «برازيلي وأسمر بيجيب جون / برقصها سامبا بإيدي أوه».
وبرغم أن هذا الإصدار لم ينل الاهتمام الأكبر في أرشيف عفروتو، فإنه يمثل فكرة المخزون والتراكم، الذي يظهر في الوقت المناسب ليخدم المسيرة الفنية بعد سنوات من التفاني. صدر ألبوم «ابن السيوف» عام 2020 من إنتاج راشد، وسُمّي بهذا الاسم تيمّنًا بالمنطقة السكنية التي نشأ فيها عفروتو.






