كثيرًا ما تأتي التحولات السياسية أو الاجتماعية في منطقة جغرافية معينة لتؤثر على المجالات الفنية والنشاط الموسيقي، وتحول دون ازدهاره وتطوره أو حتى وصوله لفترات زمنية طويلة. ينطبق ذلك على ليبيا التي ما زالت حتى اليوم بقعةً منغلقة على كنوزها الموسيقية، في حالة من العزلة التي تُصعّب وصول إرثها الغني متنوع الجنرات إلى المستمع العربي. كان أغلب ما عرفناه من أرشيف الموسيقى الليبية المستقلة في الثلاثين سنة الماضية قد وصلنا عبر جهود توثيقية متواضعة. من ناحية أخرى نجح بعض مطربي البوب بالعبور إلى الساحة العربية بتقديمهم أغنيات بوب باللهجات المصرية أو الخليجية. أما اليوم فنسمع بتباعد تراكات من ليبيا تتأثر بتوسع صوت الهيب هوب الشمال إفريقي وتحاول الالتحاق به. يظهر من بين هذه التجارب الجديدة صوت هو الأكثر أصالةً واكتمالًا مع صدور تراك وين الأول رسميًا في مسيرة أماكه، ليجمع تأثيرات موسيقية مختلفة من خلفيته وموطنه مع الصوت المعاصر لشمال إفريقيا.
يفتتح التراك بصوت إلكتروني يقود التوزيع مع اللهاث المضطرب لصوت يسأل أين مكاني؟ إلى أين أذهب؟ هل مكاني أن أبقى في الخلف؟ أم أين يجب أن أكون؟ قبل أن تنطلق الإيقاعات المبعثة من موسيقى الطوارق لتضبط لوازم الأغنية. يذكر البيان الصحفي الذي رافق صدور التراك نشأة أماكه في بيئة صوفية حيث تأثر بالإنشاد الروحي بالمقام الأول إلى جانب تأثره بموسيقى الطوارق والراي والهيب هوب. تعلن هذه التأثيرات عن نفسها بوضوح في التراك سواء صوتيًا أو في الكلمات أو حتى بصريًا في فيديو الأغنية. يأخذنا الفيديو الذي أخرجه زياد حداد في رحلة إلى صحراء جنوب ليبيا ليغوص في بيئة المنطقة وطقوسها وعمارتها وأزيائها، ويضمّن رموز وإشارات بصرية ترتبط بالتحولات الروحية للرحلة التي تغني عنها كلمات التراك، إلى جانب ظهور أماكه بين الحين والآخر مسترخيًا بقميص فريق البرازيل في مؤخرة سيارة جيب تنقله عبر الصحراء.
يأتي التعاون في الإنتاج بين تيكه وراتشوبر ليقدم رؤية موسيقية متماسكة وواثقة بحيث يصعب تصديق كيف أمكن لشخصين يعملان سويًا للمرة الأولى تنفيذها دون تعثر. تسمح عمليات الميكسينغ والماستيرينغ للأصوات المستعرضة في التراك، المعاصر منها والفلكلوري، أن تنساب بانسجام دون أن يبدو هذا الدمج هجينًا أو دخيلًا.يَعِد هذا الاكتشاف الموسيقي الذي تبنته وأخرجته للنور تسجيلات Bloc C Records بوجود جيل جديد من الموسيقيين في العالم العربي الذي يمتلك رؤية موسيقية بعيدة الأمد، لا تسعى فقط لتقديم أغنيات هيت تحدث ضجة مؤقتة، وإنما تجتهد لتقديم ما سيغير صوت السنوات القادمة بالكامل.






