بات اسم سارة محجوب مألوفًا لدى شريحة واسعة من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي بفضل حضورها اللافت، خصوصًا على تيك توك، حيث نجحت في بناء قاعدة جماهيرية كبيرة قبل أن تفرض نفسها تدريجيًا كمطربة تحاول حجز مكان لها داخل مشهد البوب المصري. ورغم أن كثيرين عرفوها من خلال الكوفرات، فإن مسيرتها تكشف إصرارًا واضحًا على التحول إلى فنانة تمتلك مشروعًا غنائيًا خاصًا لا مجرد صانعة محتوى موسيقي.
ويبدو هذا التوجه أكثر وضوحًا في أحدث إصداراتها "كنت حبيبي" التي تعتبر ثاني أغنياتها هذا العام، وهي من كلمات خالد تاج الدين وألحان وليد سعد وتوزيع رامي سمير. تبدأ الأغنية بهدوء ينسجم مع حالة الانكسار التي ترويها البطلة أمام حبيب مخادع قبل أن تنتقل سريعًا إلى إيقاع المقسوم، في محاولة لموازنة الطابع الدرامي بطاقة موسيقية أكثر خفة.
ورغم أن هذا التحول الإيقاعي يخفف من حدة الألم الذي تحمله الكلمات فإن أداء سارة ينجح في الحفاظ على صدق الحالة الشعورية ويكشف عن نضج ملحوظ في استخدام خامة صوتها وقدرتها على التنقل بين الطبقات بثقة. وهو ما يثير سؤالًا طبيعيًا: كيف وصلت إلى هذا المستوى من التمكن؟
صوت ولد في الخارج وحافظ على أصالته
ولدت سارة محجوب في هولندا لأب مصري وأم مغربية وتقيم حاليًا في بلجيكا. ويبدو أن علاقتها بالغناء بدأت داخل محيطها العائلي، إذ ورثت جمال صوتها عن والدها الذي يظهر معها أحيانًا في مقاطع غنائية على تيك توك، المنصة التي يتابعها عليها أكثر من نصف مليون شخص. لكن الموسيقى لم تكن مسارها الأول، فقد درست التمريض وعملت مع كبار السن خاصة المصابين بمرض الزهايمر، قبل أن تتحول جائحة كورونا إلى نقطة فاصلة في حياتها حين وجدت في تيك توك مساحة للتعبير عن موهبتها والتعريف بنفسها. ومؤخرًا كشفت لمتابعيها أنها حصلت على إعفاء من العمل بسبب الآثار النفسية والجسدية طويلة الأمد التي خلفها فيروس كورونا.
ورغم أن شهرتها انطلقت عبر الكوفرات فإن اللافت في تجربتها أنها لم تعتمد على إعادة تقديم الأغنيات الرائجة فقط، بل اتجهت باستمرار إلى إعادة إحياء أعمال من أرشيف نجوم البوب العربي، وكأنها تختار الأغنيات التي كانت تتمنى لو غنتها منذ صدورها. من أبرز هذه التجارب إعادة تقديم "شاغلني" لإليسا من ألبوم "عيشالك" إلى جانب "بقيت عادة" لمحمد حماقي من ألبوم "خلص الكلام" وهو الكوفر الذي نشرته عبر يوتيوب قبل سنوات وحقق انتشارًا جيدًا. وتعكس هذه الاختيارات تأثرها الواضح بأغنيات الألفية الجديدة، التي شكلت مرجعًا موسيقيًا حاضرًا في ذائقتها الفنية.
الانطلاق مع الأغنيات الأصلية
أما على مستوى الأغنيات الأصلية فجاءت البداية مع "أنا أسعد واحدة" وهي أغنية رومانسية من كلمات عمرو المصري وألحان محمود أنور وتوزيع عمرو الخضري. ورغم أن العمل لم يحقق انتشارًا جماهيريًا واسعًا، فإنه قدم أول ملامح شخصية سارة الغنائية وأبرز إحساسها وخامة صوتها، ليشكل انطلاقة واعدة أكثر من كونه نجاحًا رقميًا.
ومن اللافت أن سارة لم تجعل الأرقام معيارًا لاستمرارها، فقد واصلت إصدار الأغنيات الأصلية بالتوازي مع الكوفرات التي يطلبها جمهورها، محافظة على وتيرة إنتاج ثابتة. وفي عام 2023 أصدرت "صغروا فيا" من كلماتها وألحانها، وتوزيع عمر إسماعيل مقدمة أغنية تحمل قدرًا من العتاب والخذلان على إيقاع المقسوم، في خطوة عكست رغبتها في تقديم رؤيتها الخاصة لا الاكتفاء بأداء أعمال الآخرين.
وفي عام 2024 خاضت تجربة مختلفة مع أغنية "عينيك حلوين التي كتبت كلماتها بنفسها ولحنها مروان سداوي ووزعها أحمد إيهاب بإيقاعات مستوحاة من ديسكو الثمانينات، لتكشف عن جانب تجريبي رومانسي في شخصيتها الفنية. وفي العام نفسه حققت أحد أحلامها بالصعود إلى المسرح مع تامر حسني خلال إحدى حفلاته بعدما لفت انتباهه صوتها لتشاركه أداء أغنية "كفاياك أعذار" في امتداد لنهجه المعروف بدعم الأصوات الشابة.
وتكررت اللحظة ذاتها في عام 2025 لكن هذه المرة مع رامي صبري خلال حفله في هولندا، عندما منحها الميكروفون لتغني جزءًا من "سكتي إيه" وقد لاقى الفيديو الذي نشرته لاحقًا تفاعلًا واسعًا، مؤكداً أن حضورها على المسرح لا يقل قوة عن حضورها عبر الشاشات.
وفي العام نفسه أصدرت "كل ما أقابل حد" من كلماتها وألحانها وتوزيع حسن شعبان، وهي من أكثر أعمالها شخصية، إذ تناولت فيها مشاعر التعلق بعد انتهاء العلاقات العاطفية وقدمتها بأداء صادق وبسيط بعيدًا عن المبالغة، ما عزز صورتها كمطربة تعتمد على الإحساس أكثر من الاستعراض.
وجاءت الخطوة الأبرز في مسيرتها مع انضمامها مطلع هذا العام إلى روتانا وإطلاق أول أعمالها معها "أسامحك ليه" من كلمات زيزو العقرب وألحان مصطفى وفقي وتوزيع النابلسي. واقتربت الأغنية من حاجز المليون مشاهدة، ولفتت الأنظار بسبب التوزيع المعتمد على الآلات الحية والأداء الدرامي الذي أبرز دفء خامة سارة وبحتها المميزة. والمفارقة أن عددًا من المستمعين ظنوا في البداية أنها أغنية مسربة لشيرين عبد الوهاب أو عمل مولد بالذكاء الاصطناعي يحاكي صوتها قبل أن يكتشفوا أنها لسارة محجوب. ورغم أن هذا التشابه قد يبدو سلاحًا ذا حدين، فإنه في الوقت نفسه يكشف امتلاكها مقومات صوتية قادرة على جذب الانتباه مع حاجتها فقط إلى مزيد من الأغنيات التي ترسخ هويتها الخاصة بعيدًا عن أي مقارنات.
عبر السنوات القليلة الماضية بدت سارة محجوب نموذجًا لفنانة شقت طريقها من المنصات الرقمية إلى الصناعة الموسيقية بخطوات متدرجة، مستفيدة من أدوات العصر دون أن تتخلى عن الرهان الحقيقي وهو جودة الصوت وصدق الأداء والاستمرار في بناء رصيد من الأغنيات الأصلية. وإذا نجحت خلال السنوات المقبلة في تطوير بصمتها الفنية واختيار أعمال تمنحها شخصية مستقلة بوضوح، فقد تتحول من موهبة واعدة إلى أحد أبرز الأصوات النسائية الجديدة في البوب المصري.






