في مشهد فني يمزج بين أصالة النغم وعراقة الجذور، لم يكن إطلاق النجمة أصالة نصري لـ "الألبوم السوري" مجرد حدث موسيقي، بل مشروعًا بصريًا احتفت من خلاله بالهوية السورية عبر 14 إطلالة، استحضرت من خلالها فلكلور المحافظات السورية وقدّمته برؤية معاصرة.
وخلف هذه اللوحات، وضع المصمم السوري مثنى الحاج علي بصمته على ثلاث إطلالات رافقت المشروع، مستعيدًا تفاصيل من الذاكرة السورية ومترجمًا خصوصية كل منطقة من خلال القصّات، والخامات، والألوان والعناصر المستوحاة من موروثها المحلي.
وتأتي هذه الرؤية امتدادًا لهوية علامة مثنى الحاج علي، التي تقوم على دمج التراث العربي وإعادة تقديمه بطريقة عصرية، وهي فلسفة تشكلت أيضًا من تجربته الشخصية، بعدما عاش متنقلًا ولاجئًا بين بلدان ومدن وثقافات مختلفة، ما جعله أكثر ارتباطًا بالهوية والذاكرة، وفي الوقت نفسه أكثر انفتاحًا على تنوعها.
وفي كواليس حصرية، تواصلت "بيلبورد عربية" مع مثنى الحاج علي، لنكتشف تفاصيل أربع إطلالات بدأت من الصورة الرسمية لأغنية "الأصالة"، قبل أن تمتد إلى السويداء والرقة وطرطوس.
بداية الرحلة.. "الأصالة" بين الأسود والأحمر وروح الشام
مع انطلاق التحضيرات لـ"الألبوم السوري" كانت أصالة تبحث عن مصمم سوري يمتلك رؤية خاصة للتعامل مع التراث بعيدًا عن النقل الحرفي للزي التقليدي، لتتواصل مع مثنى الحاج علي وتبدأ بينهما رحلة تصميم ثلاث إطلالات رافقت المشروع.
وكانت البداية مع إطلالة غلاف أغنية "الأصالة" التي سبقت صدور للألبوم، واختزلت في تفاصيلها مزيجًا من الحضور السوري والهوية السورية، ضمن لوحة بصرية اعتمدت على الأسود والأحمر.
جاء التصميم بفستان أسود طويل من قماش الكريب، بقصّة انسيابية تحيط بجسد أصالة، وتحافظ على واجهة أمامية هادئة وخالية من التفاصيل الزائدة. في المقابل، أضاف الموسلين الأحمر عنصر الحركة إلى التصميم، إذ امتد من يدي الفستان وانساب حول أصالة في مساحة واسعة، ليصبح جزءًا أساسيًا من التكوين البصري للغلاف، ويخلق تباينًا واضحًا بين عمق الأسود وحيوية الأحمر.
أما العنصر الذي حمل الإطلالة مباشرة إلى أجواء الشام، فكان "العجال" على الرأس، وهي من قطع الزينة المرتبطة بالزي التقليدي الشامي. أعاد الحاج علي تقديمها بمعالجة معاصرة، فجاءت باللون الفضي المرصّع وامتدت على جانبي الرأس فوق غطاء أسود، لتستحضر صورة المرأة السورية في الذاكرة الشعبية من دون أن تنقل الزي التراثي كما هو.
واكتملت اللوحة بعقد أحمر وأسود مرصّع عند العنق. وهنا لم يظهر التراث كعنصر تزييني منفصل، بل دخل في صلب التصميم، من غطاء الرأس إلى الخامات والألوان وحتى حركة القماش.
ولم تكن هذه التفاصيل سريعة التنفيذ، إذ استغرق العمل على الإطلالة أربعة أيام متواصلة، خُصصت لشكّ القماش يدويًا بحبيبات "سواروفسكي" الحمراء والسوداء، التي وُزعت بعناية على التصميم لتلتقط الضوء وتضيف إليه لمسات من البريق، مع الحفاظ على طابعه السوري.
وتكشف ردة فعل أصالة على التصميم مدى ارتباطها بالفكرة، إذ يقول مثنى الحاج علي إنها "غمرتها سعادة لا توصف وفرحة عارمة بمجرد رؤية الإطلالة" مضيفًا أنها انبهرت بالتفاصيل وشعرت بأن الثوب "يلمس روحها" ويجسد القوة والأصالة اللتين أرادت إيصالهما في غلاف الألبوم.
السويداء.. الأسود يلتقي بالأبيض في إطلالة مستوحاة من موروث المدينة
بعد إطلالة الغلاف، امتدت رؤية مثنى الحاج علي إلى 3 محافظات سورية هي السويداء والرقة وطرطوس حيث ترجم خصوصية كل منطقة من خلال اللون والخامة وتفاصيل مستوحاة من موروثها المحلي.
وكانت البداية مع السويداء، التي اختار لها لوحة بصرية يغلب عليها الأسود والأبيض، مع التركيز على الشراشيب كأحد أبرز العناصر التي استلهمها من الموروث المحلي.
جاءت الإطلالة بفستان أسود من الساتان، بقصّة تستلهم أسلوب العباءة، لكن بتكوين غير تقليدي. فبدل أن يبقى التصميم ضمن خطوط العباءة المعروفة، يلتف القماش حول جسد أصالة من الخلف وينسدل بطريقة تمنح الإطلالة حركة واضحة، وتحول الجزء الخلفي منها إلى عنصر أساسي في الصورة.
وفي مقابل الساتان الأسود، حضرت الطرحة باللون الأبيض، طويلة وانسيابية من قماش الموسلين، لتنساب خلف أصالة وتضيف خفة إلى التصميم. وزُيّنت الطرحة بالشراشيب، التي لم تأتِ كإضافة جمالية فحسب، بل كعنصر مستوحى من حضورها في الموروث المحلي للسويداء.
وهكذا بُنيت الإطلالة على توازن واضح بين الأسود والأبيض: الساتان يمنح الفستان ثباتًا وحضورًا، فيما تضيف الطرحة المصنوعة من الموسلين حركة وانسيابية، وتربط الشراشيب بين التكوين العصري والمرجعية التراثية.
وكما في إطلالة الغلاف، لم يعتمد الحاج علي على إعادة إنتاج الزي التقليدي للسويداء كما هو، بل أخذ منه عناصر محددة، أبرزها الأسود والأبيض والشراشيب، وأعاد تركيبها ضمن صورة معاصرة تحافظ على الصلة البصرية بالمدينة وموروثها.
الرقة.. العباية الرجالية بصياغة أنثوية
أما الإطلالة الثالثة، فجاءت مستوحاة من مدينة الرقة، حيث عاد مثنى الحاج علي إلى صور قديمة ومراجع من الفن القديم ليستلهم منها ملامح الإطلالة وتفاصيلها، قبل أن يعيد صياغتها ضمن رؤية أنثوية معاصرة.
اختار المصمم العباية الرجالية المعروفة كمرجع أساسي للتصميم، لكنه أعاد تقديمها على شكل فستان بعباية باللون الأحمر، لتتحول القطعة من زي ذي طابع رجالي إلى إطلالة أنثوية تحافظ على روح المرجع التراثي من دون أن تنقله كما هو.
وحافظ التصميم على حضور اللون الأحمر كعنصر أساسي في الإطلالة، فيما جاء غطاء الرأس باللون الأسود، من قماش الأورغنزا، ليضيف تباينًا واضحًا مع الفستان الأحمر ويمنح التكوين خفة وشفافية.
أما التفاصيل التي زادت الإطلالة ارتباطًا بالعمل اليدوي، فظهرت على إحدى اليدين، حيث زُيّنت بالشراشيب المشكّكة يدويًا بحبيبات "سواروفسكي" في تفصيل أعاد إدخال الحرفية والبريق إلى التصميم من دون أن يطغى على الخط العام للإطلالة.
وبهذه المعالجة، حافظ الحاج علي على المرجعية البصرية المستوحاة من الرقة وصورها القديمة، لكنه نقل العباية الرجالية إلى مساحة مختلفة، لتظهر كفستان أنثوي يجمع بين ملامح الذاكرة القديمة وتفاصيل الموضة المعاصرة.
طرطوس.. الأبيض والأسود يلتقيان بتراث أنثوي معاصر
ومن الرقة، انتقلت الرؤية إلى طرطوس، حيث اختار مثنى الحاج علي الأبيض والأسود كلونين أساسيين للإطلالة، مستلهمًا من التراث الأنثوي للمنطقة، ومركزًا بشكل خاص على "العجال" وإعادة تقديمه بأسلوب أكثر أنوثة وعصرية.
جاءت الإطلالة بفستان أبيض من قماش الكريب، بقصّة تحافظ على بساطة اللون والخطوط، ورافقه كاب أسود من قماش الساتان دو شيز، إلى جانب كفوف من القماش نفسه، لتكتمل الثنائية اللونية التي بُني عليها التصميم.
أما "العجال" فكان التفصيل الأبرز في الإطلالة، إذ لم يكتفِ الحاج علي باستحضاره كما هو، بل أعاد تصميمه بروح أنثوية، ليصبح قطعة لافتة تتكامل مع الفستان والكاب. وصُنعت القطعة بالكامل يدويًا، من حبيبات "سواروفسكي" التي شُكّكت بعناية لتمنحها بريقًا واضحًا وتحوّلها إلى جزء أساسي من التكوين البصري للإطلالة.
وبين بساطة الكريب الأبيض، وفخامة الساتان الأسود، وبريق "العجال" المشكّك يدويًا، جاءت إطلالة طرطوس كترجمة معاصرة لعنصر من التراث الأنثوي، حافظت على هويته الأساسية، فيما أعادت صياغته ضمن صورة أكثر حداثة وأناقة.





