احتفل الهضبة هذا الأسبوع بمرور 10 سنوات على إصدار ألبومه "أحلى وأحلى"، أحد أكثر الألبومات المفصلية في مسيرته، ليس فقط لأنه ألبوم ناجح ضمن سلسلة طويلة من النجاحات، بل لأنه جاء في لحظة كانت فيها صناعة الموسيقى العربية تعيد تشكيل نفسها بالكامل.
في منتصف العقد الماضي، كانت الألبومات تتراجع أمام الأغاني المنفردة، والمنصات الرقمية تغيّر شكل السوق، بينما كانت الموسيقى المستقلة والبديلة تفرض حضورًا متزايدًا بعد التحولات السياسية الكبرى في المنطقة. المفارقة أن هذه الموسيقى التي وُصفت طويلًا بـ "المستقلة" بدأت تدريجيًا تفقد استقلالها مع دخول الشركات إليها. حينها قرر نجم البوب الأكبر في المنطقة يتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا.
بعد خلافه مع شركة روتانا، قرر عمرو دياب أن ينتج "أحلى وأحلى" بنفسه عبر شركته "ناي"، في خطوة بدت وقتها صادمة داخل سوق كان يميل أصلًا إلى تقليل إنتاج الألبومات. هكذا لم يكن "أحلى وأحلى" مجرد ألبوم جديد، بل لحظة أعاد فيها عمرو دياب تعريف علاقته بالصناعة، وفتح بابًا جديدًا لفكرة الفنان المستقل داخل البوب العربي.
عمرو دياب المستقل: من داخل المركز
لكن استقلال عمرو دياب هنا لا يشبه ما اعتدنا أن نسمّيه "استقلالًا" في الموسيقى. فهو لم يخرج إلى الهامش ولم يبنِ مشروعًا محدود الموارد خارج السوق، بل بقي في قلب المركز، مستفيدًا من كل إمكانياته التي راكمها لعقود متتالية. لكنه انتزع حق القرار الكامل في مشروعه: شكل العمل، توقيته، وطريقة تقديمه، بعيدًا عن حسابات شركات الإنتاج.
ومع ذلك، لم يكن هذا التحوّل وليد انفصاله عن روتانا فقط، ولا نتيجة مباشرة لتحولات السوق التقنية والسياسية، بل امتدادًا لنزعة قديمة لدى عمرو دياب للسيطرة على مشروعه كاملًا. فمنذ بداية الألفينات، بدأ يتعامل مع ألبوماته بوصفها رؤية متكاملة، يشرف على تفاصيلها الفنية والبصرية، حتى أنه وضع عبارة "رؤية فنية عمرو دياب" على أغلفة بعض ألبوماته.
لكن نموذج السوق وقتها، القائم على مركزية شركات الإنتاج ومبيعات الكاسيت والأقراص، لم يكن يسمح بأن تكتمل هذه الرغبة. ومع تراجع هذا النموذج وصعود المنصات الرقمية، ظهرت المساحة التي كان ينتظرها.
شبكة تعاونات جديدة... وولادة أسماء داخل عالمه
جزء من حيوية "أحلى وأحلى" يعود أيضًا إلى شبكة التعاونات التي بُني عليها الألبوم. في تلك المرحلة، كان عمرو دياب يعيد ترتيب فريقه الموسيقي من دون القطيعة مع الأسماء التي صنعت جزءًا من تاريخه.
حضر تامر حسين بقوة استثنائية، وكتب القسم الأكبر من الألبوم، ليكرّس نفسه شريكًا أساسيًا في اللغة الجديدة التي كان عمرو دياب يبنيها منذ سنوات، وليتحول منذ ذلك الوقت إلى الشاعر الغنائي الأكثر حضورًا في إصدارات الهضبة المتأخرة.
وفي التلحين، برزت أسماء مثل عمرو طنطاوي وإسلام زكي ومحمد النادي، بينما حمل أسامة الهندي جزءًا كبيرًا من هوية الألبوم التوزيعية، سواء في المساحات اللاتينية الراقصة أو الأغاني الرومانسية الهادئة.
اللافت أن هذه التوليفة لم تعتمد فقط على الأسماء المخضرمة، بل بدت وكأنها مساحة يختبر فيها عمرو دياب جيلًا جديدًا من صناع الأغنية، مع احتفاظه الكامل بدور "المنسّق الأعلى" الذي يعيد صهر كل هذه العناصر داخل هويته الخاصة.
التجريب: على الحافة بين البوب والإندي روك
إذا كان "أحلى وأحلى" لحظة تحوّل إنتاجي، فهو أيضًا امتداد لنزعة قديمة في مشروع عمرو دياب: التجريب. هذه النزعة لم تكن يومًا قفزًا في المجهول، بل حركة محسوبة على الحافة، ما بين الذائقة الموسيقية للجمهور العربي وما بين الإيقاعات والنغمات الغربية التي يسبقنا إليها عمرو دياب ويستكشفها.
صعود موسيقى الإندي كان له تأثير على تجربة عمرو دياب في ألبوم "أحلى وأحلى". فعليًا لا يمكن الادعاء أنها فتحت أفقًا جديدة أمام عمرو دياب، فهو خاض تجارب سابقة لامس فيها موسيقى الروك، بأغاني مثل "خليني جنبك" و"كمل كلامك"؛ لكن ازدياد شعبية موسيقى الروك وانتشارها مع الفرق البديلة جعل عمرو دياب يخوض تجربة أكثر جرأة، ليتضمن الألبوم أغنية "عكس بعض"، التي اقترب بها عمرو دياب من بنية أغاني الروك أكثر من أي وقتٍ مضى.
ولم يكتف عمرو دياب بتجربة الروك بالتأكيد؛ فالألبوم على غرار ألبوماته السابقة يتضمن أغاني من جنرات متنوعة ما بين الطرب الشرقي وتنويعات الموسيقى اللاتينية.
داخل الألبوم: توازن مألوف في لحظة غير مألوفة:
على مستوى البناء، لا يبدو "أحلى وأحلى" كألبوم يسعى إلى كسر القالب الذي اعتاده عمرو دياب، بل إلى إعادة توزيع عناصره ضمن سياق جديد. التركيبة نفسها حاضرة: أغاني إيقاعية في الواجهة، دراما عاطفية في العمق، ومساحات رومانسية هادئة تعيد التوازن. لكن ما تغيّر هو الخلفية التي تتحرك عليها هذه العناصر.
في ألبومات سابقة، كان هذا التنوع جزءًا من وصفة ناجحة. أما هنا، فيبدو كأنه محاولة للإمساك بلحظة متحركة، لا للهيمنة عليها. وهذا ما يفسّر، جزئيًا، نجاح الألبوم في أغاني محددة أكثر من غيرها. والأغاني الدرامية تألقت بالمجمل، ولاسيما أغنية "راجع" التي وجدت طريقها إلى الجمهور بسهولة، وكأنها تتناغم مع هذا المزاج العام المشحون.
في المقابل، جاءت الأغاني الرومانسية الهادئة لتشكّل مساحة صفاء داخل هذا التداخل، وبينها برزت "معاك قلبي"، التي تبدو وكأنها اللحظة التي يتوقف فيها الألبوم قليلًا ليلتقط أنفاسه. نجاح "معاك قلبي" دفع عمرو دياب إلى تصوير كليب لها بعد ما يقارب عام على إصدار الألبوم، ليتم إصدار الكليب بالتزامن مع عيد الحب، بعد أن اختبر عمرو دياب تفاعل الجمهور مع أغاني الألبوم؛ كانت هي الخيار الأفضل.
الطرب والتجريب: محاولة لردم المسافة
من بين لحظات الألبوم الأكثر إثارة للاهتمام، تلك التي يحاول فيها عمرو دياب إعادة الاقتراب من الطرب، لكن من زاوية مختلفة. أبرزها أغنية "أمنتك" التي يكاد يكون لحنها الأكثر جمالًا بين الألحان الطربية التي قدمها عمرو دياب على امتداد مسيرته؛ لحن شبيه باندفاعه بأغنية "أهو ده اللي صار"، ولكنه لم يُقدم بأفضل طريقة.
التوزيع يدخل عليه بإيقاع مرتفع، يكاد يكون أعلى من باقي عناصر الأغنية، ما يخلق حالة من التوتر بين اللحن والأداء من جهة، والبنية الإيقاعية من جهة أخرى، لتكون النتيجة ليست متوازنة بالكامل، لكنها تكشف عن شيء آخر: الرغبة في اختبار حدود هذا المزج، في معرفة إلى أي مدى يمكن أن يتعايش الطرب مع حساسية إنتاجية جديدة. لتكون الأغنية أشبه بمحاولة لردم المسافة بين زمنين.
غياب الهِيت: نقص أم تحوّل في الذائقة؟
مع ذلك، لا يمكن تجاهل مفارقة واضحة في الألبوم: غياب الأغنية "الهيت" التي تقود العمل من بدايته. في ألبومات عمرو دياب، كانت الأغنية التي تحمل اسم الألبوم أو الأغنية الافتتاحية غالبًا ما تلعب هذا الدور. لكن في هذا الألبوم، لا تبدو "أحلى وأحلى" ولا الأغنية الافتتاحية "رسمها" على هذا المستوى من التأثير. هما أغنيتان ناجحتان، لكنهما لا تفرضان نفسيهما كعناوين صاخبة؛ وكأنهما أغاني في منتصف الألبوم، لا أكثر.
لكن السر في ذلك يرتبط بتحوّل أوسع. ففي سوق كان يتجه نحو الأغنية المنفردة، وفي لحظة بدأت فيها فكرة الهيت نفسها تتغير.. بقي الهضبة صاحب مشاريع متكاملة كما كان دومًا. وبعد مرور عشر سنوات، يتأكد أن رؤيته هذه كانت كفيلة بتمديد تاريخ صلاحية مسيرته لسنوات طويلة قادمة.






