طرح ويجز مؤخرًا فيديو كليب لتراك"بي بي كينغ" في أول تعاون له مع الفنان السعودي دحوم الطلاسي، وهو عمل يتجاوز فكرة الدويتو التقليدي إلى تجربة بصرية وسمعية تعكس توجهًا أوضح نحو بناء هوية فنية عابرة للحدود.
صُور الكليب بين مصر والسعودية تحت إدارة المخرج نديم جورج حيث جاءت العناصر البصرية -من الأزياء التراثية إلى الفضاءات الصحراوية- كامتداد رمزي لفكرة معارك الحياة التي يطرحها ويجز في التراك من دون الوقوع في فخ الفولكلور السطحي.
"بي بي كينغ" وقدر عالي من الفلسفة
على مستوى الكلمات ينطلق التراك من حالة تأملية، تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تحمل عمقًا فلسفيًا حول الوقت والقدر وتقلب البشر. يستخدم ويجز استعارات مثل حجر النرد للتعبير عن تغير الوجوه، في خطاب أقرب إلى حوار داخلي منه إلى رسالة مباشرة. في المقابل يمنح دحوم الطلاسي مساحة واضحة ليقدم حضوره المستند ألى الفنون الشعبية النجدية و السامرية في مزج يوازن بين الأصالة والتجريب. موسيقيًا يشارك في إنتاج التراك كل من إل فايف و عزوني تيمور رضوان وتودور مونرو، ما يمنحه ثراءً صوتيًا واضحًا، فيما يظهر حضور علامة "قرمز" السعودية كجزء من بناء الهوية البصرية من بعض للأزياء. في المحصلة ينجح العمل في تقديم نموذج لتعاون يتأسس على الانسجام لا الاستعراض.
هذا التوجه لا ينفصل عن المشروع الأكبر، إذ يأتي التراك ضمن الجزء الثاني من ألبوم "عقارب" الذي يبدو امتدادًا واعيًا لرؤية فنية تتوسع تدريجيًا. يضم الألبوم 12 تراكًا من بينها 8 تعاونات، في تأكيد واضح على أن الدويتوهات هنا ليس إضافة شكلية بل بنية إبداعية أساسية.
لم تخضع هذه التعاونات لمنطق السوق، ومحاولة جمع جمهورين على إصدار واحد. بل عكست فضولًا موسيقيًا ورغبة في الاشتباك مع أصوات وثقافات مختلفة حتى لو لم تكن الأكثر جماهيرية.
كلام فرسان: نقطة التقاء بين عالمين مختلفين
من أبرز هذه التعاونات الذي طُرح كعينة أولى "كلام فرسان" الذي جمع ويجز بالكينج محمد منير. العمل يمثل لقاء بين جيلين مختلفين، يبدأ بلحظة عفوية يقر فيها منير بأن ويجز يذكره ببداياته. الأغنية تُبنى كحوار بين صوت ناضج وآخر لا يزال يبحث عن إجابات. كلمات أمير طعيمة جاءت متوازنة فيما حمل التراك روحًا إنسانية واضحة رغم بعض التحفظات على الرؤية الإخراجية للعمل.
تراكات تستحق مزيد من الاهتمام
ضمن الأعمال التي تستحق إعادة الاكتشاف يبرز تراك "مفيش وقت" مع راستي الذي يعتمد على إيقاعات الإفروبيت دون أن يكتفي بها شكليًا. التراك يحجز مكانه في الرأس مع تكرار الاستماع.. خاصة مع التبدلات الذكية في الفلو بين الطرفين، ما يعكس كيمياء حقيقية تتجاوز ضعف الأرقام. الأمر نفسه ينطبق على "ماسح كل النمر" مع سامي شبلاق الذي يشكل مفاجأة من حيث الاختيار والتناغم، خاصة مع لغته الإنجليزية وحضوره غير المتوقع. الأغنية من أكثر التراكات صدقًا في التعبير عن صراعات ويجز بين التخبط والبحث عن السند بإنتاج متوازن من حسين جمال.
تعاونات مع فنانين صاعدين بنكهة مصرية
في مساحة أخرى يظهر اهتمام ويجز بدعم الأصوات الصاعدة كما في تعاونه مع ناصر، حيث يُبنى التراك على ثنائية العقل والقلب، فيما يجسد الأول ويجز بصوته الحاد مقابل ناصر بأدائه الدافئ. هذه الثنائية تمنح الأغنية بعدًا دراميًا واضحًا يعززه إنتاج مومبارو. كذلك في تراك "مشكلة" مع يونيو الذي يقدم تراكًا خفيفًا بإيقاعات المقسوم، بدا مؤهلًا للانتشار السريع على منصات مثل التيك توك لكنه لم يحقق نفس الصدى في مفارقة تكشف الفجوة بين التوقعات والواقع.
ويجز يحقق واحد من أحلامه في "نور عيني"
أما أغنية "نور عيني" الذي جمع ويجز بالفنان اليمني حمود السمه فيمثل لحظة خاصة داخل الألبوم. هذا التعاون الذي كان حلمًا معلنًا لويجز، جاء متماسكًا على مستوى البناء، حيث يبدأ بصوت السمه في مساحة طربية خالصة، قبل أن ينتقل بسلاسة إلى عالم ويجز. الأداء هنا أكثر هدوءًا ورهافة والتوازن بين الطرفين يحافظ على هوية كل منهما، ما جعل التراك من أكثر محطات الألبوم تأثيرًا.. وإحدى أقوى أغاني ويجز العاطفية عبر مسيرته متفوقةًا على "البخت" و"أميرة".
"سلكانة" من أقل المحطات تأثيرًا
في المقابل لا تحقق جميع التعاونات نفس الأثر في المستمع كما في حالة تراك "سلكانة" مع تيوا سافاج، رغم اعتماده على إيقاع الإفروبيت وإنتاج تودور مونرو... ورغم ثقل تيوا الجماهيري وتاريخها مع أسماء مثل Ruger وAyra Starr وAsake، إلا أن حضورها هنا يبدو باهتًا في غياب واضح للكيمياء التي ميزت باقي التعاونات.
في المحصلة يثبت الجزء الثاني من "عقارب" أنه من أكثر مشاريع ويجز نضجًا وتكاملًا. ألبوم لا يسعى فقط للانتشار بل لبناء تجربة متعددة الطبقات، يمكن لكل مستمع أن يجد نفسه داخلها. ولا تبدو استعارة "عقارب الساعة" كاسم للألبوم مجرد عنوان بل مفتاح قراءة، فكما تتحرك عقارب الساعة بوتيرة مختلفة يحمل كل تراك إيقاعه الخاص وزمنه الشعوري الذي قد يلامس مستمعًا دون آخر أو يعود ليُكتشف من جديد في توقيت مختلف. بهذا المعنى يبدو الألبوم مرشح لأن يرافق مستمعيه لفترة طويلة، وأن يُعاد اكتشافه مع كل استماع ومع كل تحول في الذائقة الشخصية.






