يُعد حضور الثنائيات النسائية في الغناء العربي من الظواهر النادرة نسبيًا لذلك يظل اسم منة ونهلة حاضرًا كلما طُرح الحديث عن التجارب الغنائية الثنائية التي حققت نجاحًا سريعًا في بداياتها.
فقد استطاعت الشقيقتان لفت الأنظار منذ ظهورهما الأول في فترة كانت القنوات الفضائية والفيديو كليب تمثلان البوابة الأساسية لوصول الفنانين إلى الجمهور. وبرغم التناغم الواضح بينهما وما حمله مشروعهما من مؤشرات على مستقبل واعد ومختلف، فإن هذه التجربة لم تنجح في الحفاظ على استمراريتها لسنوات طويلة، لتبقى بعض أغانيهما عالقة في الذاكرة الجماعية أكثر من بقائهما في المشهد نفسه. ومن هنا تبرز أهمية التوقف عند تجربتهما ومحاولة فهم الأسباب التي أدت إلى اختفائهما المبكر عن الساحة الفنية.
طفولة تكشف عن موهبة
نشأت منة ونهلة في مدينة الإسكندرية وارتبطت علاقتهما بالغناء منذ سنوات الطفولة، حيث شاركتا معًا في عدد من برامج الأطفال المحلية. ولم يكن الاحتراف الفني ضمن خططهما في البداية، إلا أن البيئة العائلية لعبت دورًا مهمًا في تشكيل ميولهما الفنية، فوالدهما كان يتمتع بصوت جميل كما أن أحد أقارب العائلة كان عازف العود الرئيسي لدى الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب. وتكشف بعض الروايات المتداولة عن عمق هذا الارتباط، إذ قيل إن نهلة سُميت تيمنًا بزوجة الموسيقار الراحل.
من الهواية إلى الاحتراف
بعد انتهاء دراستهما جاءت الفرصة الحقيقية عندما تعاقدتا مع الشركة المنتجة التي قدمتهما للجمهور من خلال أغنية "احكيلي" التي صدرت ضمن ألبوم ميلودي هيتس Vol.2 عام 2007 تقريبًا. وكان الألبوم بمثابة منصة لإطلاق مجموعة من الأصوات الشابة آنذاك من بينهم نسرين ونانا إلى جانب أسماء صاعدة معروفة مثل حسام حبيب و هيثم سعيد فيما كانت منة ونهلة الثنائي النسائي الوحيد ضمن قائمة المشاركين. كما جرى تصوير الأغنية فيديو كليب مع المخرج أحمد غزال مما ساهم في تعزيز انتشارها جماهيريًا.
وجاء نجاح "احكيلي" نتيجة مجموعة من العناصر التي اجتمعت في عمل واحد، فالأغنية التي كتب كلماتها أيمن بهجت قمر ولحنها محمد يحيى ووزعها حميد الشاعري، اعتمدت على فكرة درامية بسيطة تدور حول حوار بين صديقتين، إحداهما تشكو خيبة عاطفية بينما تحاول الأخرى مواساتها وتقديم النصيحة. وقدمت هذه الفكرة في إطار إيقاعي راقص وخفيف، بينما عزز الفيديو كليب من جاذبية العمل عبر صورة بصرية اعتمدت على الأداء الحركي والاستعراض. وربما كان هذا المزيج بين الحكاية البسيطة والإيقاع السريع أحد أبرز أسباب نجاح الأغنية، وهو النجاح الذي شجع الشركة المنتجة على طرح أول ألبوم كامل لهما في العام نفسه بعنوان "لقيت روحي"
منة ونهلة و أول ألبوم في مسيرتهما
وضم الألبوم 10 أعمال غنائية من بينها "احكيلي" كما شهد تعاونًا لافتًا مع عصام كاريكا في أغنية "بحب الحرية" التي صُورت أيضًا مع المخرج أحمد غزال. والمفارقة أن هذا التعاون جاء بالصدفة أثناء جلسات التحضير للألبوم، إذ كان الهدف في البداية الحصول على لحن من كاريكا قبل أن تتطور الفكرة إلى تقديم الأغنية بصيغة ثلاثية. واعتمد العمل على أجواء مرحة وكلمات خفيفة كتبها إسلام خليل فيما تولى باسم منير التوزيع الموسيقي. ورغم النجاح الذي حققته الأغنية، فإنها لم تستطع تجاوز الأثر الجماهيري الذي صنعته "احكيلي" والتي ظلت العمل الأبرز والأكثر ارتباطًا باسم منة ونهلة
أما ثالث أعمالهما المصورة فكان فيديو كليب أغنية "لقيت روحي" الأغنية الرئيسية التي حمل الألبوم اسمها، وقد جاءت من كلمات خالد حنفي وألحان محمد سعد وتوزيع توما. وتدور فكرتها حول اعتراف إحدى الصديقتين لصديقتها بإعجابها بشاب وتعلقها به منذ النظرة الأولى، في إطار رومانسي خفيف يتماشى مع طبيعة الأغنية
وتولى إخراج الكليب جاد شويري الذي كان يُعرف آنذاك بطرحه البصري الجريء والمثير للجدل، إلا أن العمل جاء مختلفًا نسبيًا عن الصورة المعتادة المرتبطة باسمه. فقد اعتمد الكليب على سرد قصة بسيطة تدور حول نهلة التي تقع في حب أحد الشبان أثناء حضورها حفلًا، بينما تحاول صديقتها منة التقليل من أهمية تلك المشاعر وإقناعها بالتخلي عنها. ومع تطور الأحداث يتضح أن منة نفسها وقعت في حب الشاب ذاته، لينتهي الكليب بمفارقة درامية تقوم على الخداع العاطفي بين الصديقتين. وربما كانت هذه الحبكة هي العنصر الأكثر جرأة في العمل، أكثر من أي جرأة بصرية اعتاد الجمهور رؤيتها في أعمال شويري. ومع ذلك لم يتمكن الكليب أو الأغنية من تجاوز النجاح الجماهيري الذي حققته "احكيلي"والتي ظلت العمل الأبرز في مسيرة الثنائي.
زخم وتوتر وأحلام غير مكتملة
بعد طرح الألبوم حظيت منة ونهلة باهتمام إعلامي ملحوظ، وبدأ الحديث عن خطوات فنية جديدة قد تتجاوز حدود الغناء الثنائي. ففي بعض اللقاءات أشارتا إلى إمكانية خوض تجربة التمثيل مستقبلًا، على أن تقدم كل منهما شخصيتها الفنية بشكل مستقل داخل الأعمال الدرامية. كما أبدتا اهتمامًا بالمشاركة في موجة أغاني الأطفال التي كانت تشهد رواجًا في تلك الفترة. وفي الوقت نفسه، حرصتا على التأكيد أن مشروعهما الفني المشترك مستمر، وأنه لا توجد أي نية للانفصال أو لتقديم أعمال فردية خارج إطار الثنائي.
لكن مسار الأحداث سار في اتجاه مختلف تمامًا ففي العام التالي بدأت تتردد شائعات حول وجود خلافات بين الشقيقتين، وتحدثت بعض التقارير غير المؤكدة عن رغبة إحداهما في الانفصال بعد تلقيها عرضًا للغناء بشكل منفرد مع إحدى شركات الإنتاج. ورغم انتشار هذه الأقاويل آنذاك فإن أياً من الطرفين لم يخرج لتأكيدها أو نفيها بشكل واضح، الأمر الذي ترك الباب مفتوحًا أمام التكهنات
انفصال يعقبه انتهاء المشروع
وفي عام 2009 أصدرت منة أغنية "أوعى تجيلك منة" بشكل منفرد، لتبدو وكأنها أول إشارة عملية إلى انتهاء المشروع المشترك الذي جمع الشقيقتين. الأغنية جاءت بكلمات إسلام خليل واعتمدت على لحن فلكلوري مصري مع توزيع حاتم نبيل، لكنها لم تحقق صدى جماهيريًا يُذكر ولم تنجح في إعادة تقديم منة كفنانة منفردة بالزخم نفسه الذي عرفه الجمهور من خلال تجربتها مع شقيقتها.
ومنذ ذلك الحين، اختفت منة ونهلة تدريجيًا عن المشهد الفني دون إعلان رسمي للاعتزال أو توضيح لأسباب الابتعاد. ولم تصدر عنهما تصريحات تشرح مصير التجربة أو ما إذا كان الغياب قرارًا شخصيًا أم نتيجة لظروف مهنية. وخلال السنوات الماضية تداولت بعض المواقع صورًا زعمت أنها توثق أحدث ظهور للشقيقتين، إلا أن الحقيقة كانت مختلفة، إذ تعود الصور في الأصل إلى الفنانتين نهلة سلامة ومنة جلال خلال مشاركتهما في احتفال بعيد ميلاد الفنانة نجوى فؤاد، ولا علاقة لها بالثنائي الغنائي الذي اختفى عن الأضواء منذ سنوات.
وفي النهاية تبقى تجربة منة ونهلة واحدة من التجارب الخفيفة واللافتة في موجة البوب المصري خلال أواخر الألفية الأولى. فقد امتلك الثنائي عناصر عديدة للنجاح، من حضور جماهيري سريع وأغنيات حققت انتشارًا ملحوظًا، إلا أن غياب الاستمرارية وعدم وضوح المسار الفني لاحقًا حالا دون تحول هذا النجاح المبكر إلى مشروع طويل الأمد. وربما كان ما حققتاه من شهرة سريعة في فترة قصيرة أحد الأسباب التي جعلت تجربتهما تُذكر اليوم بوصفها تجربة انتهت قبل أن تكتمل.






