لم تكن فيروز، في الوعي العربي، امرأةً تمشي على الأرض مثلنا، بل كانت ـ عبر عقود طويلة ـ تُعامَل كصوتٍ يتقدم الجسد، كأيقونةٍ أكثر منها حياة. "جارة القمر" و"سفيرتنا إلى النجوم" و"الصوت الملائكي" و"صوت الصباح": ألقابٌ صنعت حولها هالةً من الضوء، حتى بدا وكأنها لا تمرض، لا تضعف ولا تبكي؛ وكأنها ليست إنساناً، بل صباحًا يُشغَّل كل يوم، فيصير العالم أقل قسوة.
ثم جاءت المشاهد التي لا تُشبه الأساطير.. في أقل من عامٍ واحد، رأينا فيروز في العزاء مرتين: مرةً بعد رحيل ابنها زياد الرحباني، ومرةً ثانية وهي تودّع ابنها الأصغر هلي. موتان متتاليان لا يتركان متّسعًا للتماسك، ولا يمنحان الحزن فرصة ليبرد، فبدت الصورة أقوى من أي عنوان، لأن ما ظهر فيها لم يكن الرمز، بل الأم. هنا تحديدًا، حدث الشيء الذي لا تفعله الأيام عادةً مع الرموز: أنسنة فيروز.
فيروز الأم قبل الأسطورة
صورة فيروز في العزاء ليست خبرًا فنيًا، بل انقلاب صغير في المخيّلة؛ لأننا تعوّدنا أن نراها في المسافة: هناك، أعلى قليلًا من الضجيج، متحررة من الحياة اليومية، لا ابتعاداً عنها بل لأن الغناء كان طريقها إليها. لكن العزاء لا يكشف هالة الأسطورة بل هشاشة الإنسان. العزاء لا يعترف بـ"جارة القمر"، ولا يُجامل "صوت الصباح"، العزاء يراها أمَاً أولاً.
الأسطورة هنا لا تنهار، لكنها تتخلص من مبالغتنا عنها. كأن المأساة نزعت عن كتفيها عباءة الرمز، وأعادت إليها المعطف البسيط الذي يلبسه البشر عندما يبردون والأمهات عندما ينكسرن.
فيروز والذاكرة: الغناء طقسًا
كي نفهم لماذا هزّتنا هذه المشاهد، علينا أن نعود إلى الطريقة التي صُنعت بها صورة فيروز عبر الأجيال. فيروز ليست فقط مغنية في تاريخ عربي مزدحم بالأصوات؛ فيروز علاقة يومية بين الناس والزمن.صوتها دخل البيوت من أبوابٍ غير رسمية: من المذياع الذي يسبق الأخبار، من القهوة التي تُخفّف وطأة الصباح، من الطرقات الفارغة حين تستيقظ المدن على مهل. ولهذا صارت رمزًا: لأن حضورها ليس موسميًا، بل طقسًا؛ الطقس الذي يمثّل صوت الصباح. والطقوس، حين تتكرر، ترسم حول أصحابها هالةً لم ينشدوها.
هكذا تشكّلت فيروز التي نعرفها: ليست نجمةً فقط، بل فكرة عن الصفاء وسط زمنٍ مُنهك. ولهذا أيضًا، كانت رؤيتها أمًّا ثكلى صدمةً مضاعفة: نحن لا نعتاد أن نرى الرموز تبكي، ولا نتصالح بسهولة مع فكرة أن ما أسندنا عليه صباحاتنا المشرقة يمكن أن ينكسر.
فيروز بعيداً عن المسرح
في مواجهة هذا الفقد المتتابع، يصبح من المنطقي أن نتذكّر فيروز داخل البيت، لا على المسرح فقط، أن نتذكّر تلك اللحظات التي صنعتها لعائلتها بصوتها، كما لو أنها كانت تحاول أن تحميهم من العالم بالغناء.
في أغنية "أمي يا ملاكي"، يخرج صوت فيروز من صورة النجمة إلى صورة الابنة؛ ابنة تضع رأسها على كتف أمّها وتقول إن الحب الأول هو هناك، وأن الأمان الأول يبدأ من الأم، وفي أغانيها عن زوجها الراحل عاصي الرحباني، مثل "سألوني الناس"، نلمس ذلك البُعد الإنساني العاطفي خلف الصوت الأثيري الدافئ. وفي تهويدة "يلا تنام ريما"، لا نسمع فقط فيروز التي نعرفها، بل نرى أمًّا تُربّت على طفل، وتُفاوض النوم كي يأتي بلا خوف.
المفارقة القاسية أن ريما، الوحيدة التي ذُكر اسمها صراحةً ضمن أغاني فيروز من كل أبنائها وأفراد عائلتها، هي التي بقيت معها حتى النهاية، لتكون العكاز الذي تستند إليه الأم الثكلى في المشاهد الإنسانية الأخيرة. بينما غابت ليال منذ سنة 1988، ثم رحل زياد في صيف 2025، ثم هلي مع بداية 2026. كأن العائلة التي منحت العالم صباحهم، كانت في داخلها تدفع ثمنًا مؤجلًا من الفقد.
فيروز بعد الفقد
هناك شيء يختلط علينا حين نحب الرموز: نريدها أن تبقى "جارة القمر"، لأننا نخاف أن تقترب فتصبح مثلنا، فنفقد ما كنا نستند إليه. لكن الحقيقة أن حزن فيروز لم يسلبها شيئاً من مكانتها، بل قرّبها إلينا. فالصوت الذي كان يربّت على صباحاتنا، لم يعد فوقنا فقط، بل بيننا.
المأساة لم تكسر الهالة، بل حررتها من المبالغة، جعلتها أقل تمثالًا، وأكثر حياة. فيروز في مكانة لا تصلها الألقاب، ولا تحرسها الأساطير: هي أم قبل أي شيء آخر.






