استطاعت شادية على مدار مسيرتها الفنية أن تجمع بين موهبتي الغناء والتمثيل، بل تتفوق في كليهما مقدمة رصيدًا غنيًا من الأغنيات العاطفية والوطنية التي ترسّخت في وجدان الجمهور. ورغم هذا التنوع تبقى أغنية "قولوا لعين الشمس" واحدة من أكثر الأغنيات حزنًا في مشوار الفنانة التي لقبها الجمهور والنقاد بـ "دلوعة السينما".
صدرت الأغنية عام 1966، وقد روى الشاعر مجدي نجيب كواليس كتابتها، مشيرًا إلى أنها مذّلت أول تعاون مع الملحن بليغ حمدي، إذ يعود اللقاء إلى مصادفة جمعتهما، حيث استمع مجدي نجيب إلى لحن بليغ بعد أن طلب منه أن يكتب كلمات تعبر عن إحساسه.
عاد مجدي نجيب إلى منزله مشحونًا بتأثير هذا اللحن الحزين الذي ذكّره بأجواء الجنائز من شدة وقعه، ثم تداعت في ذهنه عبارة استلهم مطلعها من جملة كانت تُقال خلال فترة الاحتلال الإنجليزي، وتحديدًا إبان حادثة دنشواي عام 1906 وقبيل تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من الفلاحين المصريين المتهمين بقتل أحد الضباط الإنجليز. وبحسب الروايات المصرية، فإن الضابط كان قد أُصيب بضربة شمس أودت بحياته لا نتيجة اعتداء مباشر.
أُعيد استخدام العبارة نفسها لاحقًا في هتافات المصريين خلال المظاهرات التي رافقت نفي سعد زغلول حيث كان الشعب يردد: "قولوا لعين الشمس ما تحماشي، أحسن رئيس الوفد صابح ماشي"، وقيل إن ذلك تزامن مع نفيه للمرة الثانية إلى جزيرة سيشل.
شادية تعبر عن الفقد والغربة أكثر من الحب
الأغنية، في جوهرها لا تعبر عن الحب أو الغرام بقدر ما تجسد مشاعر الاغتراب والفقد فهي أغنية وداع من طراز خاص. كتبها مجدي نجيب في وقت قصير وسريع، كما تقاضى عن كلمات الأغنية أجرًا لم يتجاوز خمسة جنيهات إلا أن هذا العمل فتح له الباب للتعاون عن قرب مع أسماء كبيرة مثل شادية وبليغ حمدي، وهو ما كان يتطلع إليه شأنه شأن كثيرين في ذلك الوقت.
ورغم أن الأغنية صدرت قبل نكسة 1967، فإن مجدي نجيب صرح لاحقًا بأنها تسببت له في بعض المشكلات، خاصة بعد أن ازداد انتشارها بشكل ملحوظ عقب النكسة بالتزامن مع عودة الجيش المصري، حيث اعتبرها البعض فألًا نحسًا مما منحها أبعادًا وجدانية وسياسية لم تكن مقصودة عند صدورها.
وبرغم حمولتها الحزينة وارتباطها بوقائع تاريخية وسياسية شديدة الخصوصية، فإن جمال اللحن وصدق التعبير ساهما في خلودها، لتُعاد تقديمها بأصوات عديدة من بينها فضل شاكر و كارمن سليمان و مروة ناجي كما قدمها حوده بندق في طفولته ضمن دوره التمثيلي في مسلسل "الزوجة الرابعة" عام 2012.






