أصدر الرابر السوداني كردفاني منذ أيام تراكه الجديد "كبسيبة" من إنتاج هادي وليد على إيقاعات أفروبِيتس راقصة وحيوية. جاء التراك محملا بفلو سريع وسلس، اعتمد فيه على كثافة القوافي ورص البارات بشكل متتابع،ك دون أن يخلو من مساحات الفلكسينج والاعتداد بالنفس، وهي عناصر أصبحت جزءًا واضحًا من شخصيته الفنية خلال الفترة الأخيرة.
ومع كل إصدار جديد، يبدو أن كوردفاني يرسخ ملامح مشروعه الموسيقي بصورة أكثر وضوحًا، ما يدفع لتتبع تطوره اللافت خلال فترة قصيرة نسبيًا منذ ظهوره وحتى الآن. علمًا أن مشهد الراب السوداني خلال السنوات الأخيرة تحولا كبيرًا إذ انتقل من مشهد محدود يدور في إطار الأندرغراوند إلى واحدة من أكثر الحركات الموسيقية العربية صدقًا والتصاقًا بالواقع. وفي قلب هذا التحول يظهر اسم كردفاني كصوت مختلف يشق طريقه بهدوء لكن بثقة واضحة.
كوردفاني و بدايات في مشهد واعد
كردفاني -واسمه الحقيقي عمر الطيب- قدم نفسه للجمهور في بداية مسيرته تحت هويته الفنية البديلة SuperZool. وكانت الانطلاقة الحقيقية مع تراك "يجيد التطريب" الصادر عام 2025، والذي بدا وكأنه مساحة للتأمل في ذاته وبلده. وسرعان ما كشف الموسيقي الشاب الفاقد للبصر عن قدرة واضحة على الكتابة بسلاسة وبصيرة لافتة، لينطلق بعدها في سلسلة من الإصدارات المتلاحقة دون انشغال حقيقي بالأرقام أو الانتشار السريع.
أما تراك "طالبة السماح" فقد حمل ملامح أكثر نضجًا من حيث البناء الموسيقي، مع استخدام السامبلينغ من أغنية "منك ولا مني" للفنانة ابتسام تسكت الصادرة عام 2017، والتي افتتح بها التراك. وبينما يعتمد كثير من مغني الراب على الحدة والصخب لإثبات حضورهم، بنى SuperZool عالمه الموسيقي عبر الأجواء النفسية والإحساس، معتمدًا على خلق حالة شعورية أكثر من اعتماده على الاستعراض المباشر.
كردفاني و هويته الفنية البديلة
واصل كردفاني إصدار أعماله تحت اسم SuperZool من خلال تراكات مثل "حكيم الأحزان" و"هارب من سجن الحب" قبل أن يبدأ تدريجيًا في استخدام الاسمين معًا داخل عناوين أعماله، ليصبح اسم "كردفاني" أكثر حضورًا وألفة لدى مستمعيه. ومع صدور "جوة ليك" بدأ يجذب اهتمامًا أوسع من جمهور الهيب هوب داخل المشهد السوداني، خصوصًا مع طريقته المختلفة في ترجمة أفكاره صوتيًا، إلى جانب اعتماده على مزيج موسيقي يسحب تأثيراته من أكثر من عالم في الوقت نفسه، من الإيقاعات السودانية والأفروبيتس إلى التراب والفانك البرازيلي.
وفي يوليو 2025، أصدر تراك "قمراية" الذي كشف عن جانب أكثر رقة وشفافية في شخصيته الفنية سواء من خلال الإنتاج الموسيقي بإيقاعات مستلهمة من الريغي والفلو السلس أو المشاعر العاطفية التي تناولها التراك مبتعدًا مؤقتًا عن الصخب والطاقة الهجومية التي ميزت بعض أعماله الأخرى.
ومع صدور تراك "جين زي" في أواخر العام الماضي، بدا وكأن كوردفاني حسم هويته الفنية بشكل كامل مكتفيًا باسمه الجديد وحده. جاء التراك أكثر قوة وصخبًا بروح قريبة من أساليب الأولد سكول مع إنتاج موسيقي مشترك بينه وبين هادي وليد. وكعادته لم يخل العمل من التفاخر بالنفس والانتقادات اللاذعة لمنافسيه، لكن هذه المرة ضمن قالب أكثر إحكامًا وثقة.
مرحلة أكثر نضجًا مع تسجيلات رعد
أما تراك "جودو" الذي مثل أول إصداراته تحت مظلة RAAD Records فجاء بإنتاج موسيقي من راشد، الذي سبق له التعاون مع ويجز في أكثر من عمل من بينها تراك "الوعد". اعتمد كردفاني في التراك على إيقاعات مستوحاة من الفانك والموسيقى الإفريقية الراقصة، لكن النتيجة لم تبدو كمحاولة تقليد بقدر ما بدت جزءًا من التطور الطبيعي الذي يعيشه جيل كامل من الفنانين السودانيين الذين يعيدون تشكيل هويتهم الموسيقية عبر مزج المحلي بالعالمي.
وخلال هذه الرحلة القصيرة نسبيًا لم يطرح كردفاني ألبومًا كاملًا حتى الآن، مفضلًا الاكتفاء بالإصدارات الفردية المتتالية، وكأنه لا يزال في مرحلة اكتشاف صوته وتوسيعه باستمرار. ومع ذلك جاءت تجربته في "الليلة" الصادرة في أبريل الماضي بالتعاون مع منذر رمضان لتكشف جانبًا مهمًا من مشروعه الفني؛ إذ تولى هادي وليد الإنتاج الموسيقي في توليفة بدت مناسبة تمامًا لصوته وأسلوبه، مزجت بين جماليات الموسيقى السودانية التراثية وروح الإنتاج المعاصر دون أن تفقد هويتها الأصلية.
ورغم أن مسيرة كردفاني لا تزال في بدايتها إلا أن ملامح مشروعه الفني تبدو واضحة، فنان يبحث عن صوته الخاص بعيدًا عن القوالب الجاهزة مستفيدًا من تنوع التأثيرات الموسيقية حوله دون أن يفقد ارتباطه بجذوره السودانية. ومع كل إصدار جديد يثبت أنه ليس مجرد اسم عابر داخل موجة الراب السوداني الحالية، بل أحد الأصوات التي قد تسهم في تشكيل ملامحها مستقبلًا






