في واحدة من أكثر محطات عرض “روائع الأوركسترا السعودية” رمزية، وقفت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي أمام الكولوسيوم في روما، ليس فقط لتقديم عرض موسيقي جديد، بل لصناعة لحظة ثقافية جمعت بين الموسيقى السعودية والإيطالية داخل واحد من أكثر المواقع التاريخية حضورًا في الذاكرة الإنسانية.
المشهد لم يكن مجرد تعاون فني عابر؛ فالعاصمة الإيطالية، التي ترتبط هويتها طويلًا بالموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، استقبلت هذه المرة أصواتًا سعودية جاءت محمّلة بإرثها الموسيقي المحلي، لتلتقي مع أوركسترا “فونتان دي روما” والمايسترو العالمي أندريا بوتشيلي، ضمن أمسية عكست فكرة المشروع منذ انطلاقه: بناء حوار ثقافي عبر الموسيقى.
وعلى امتداد السنوات الماضية، تحوّلت جولة “روائع الأوركسترا السعودية” إلى مشروع عالمي متنقل، بدأ من باريس، ومرّ بمحطات كبرى مثل نيويورك، ولندن، وسيدني، وطوكيو، وفرساي، قبل أن يصل إلى روما. ومع كل محطة، كانت الأوركسترا السعودية تعيد تقديم الموروث الموسيقي السعودي ضمن سياقات عالمية مختلفة، عبر لقاءات تجمع بين الهوية المحلية والانفتاح على ثقافات أخرى.
وفي حديثه إلى بيلبورد عربية، وضع باول باسيفيكو، الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى السعودية، أمسية روما ضمن هذا الإطار الأوسع، متحدثًا عن معنى تقديم الموسيقى السعودية في قلب واحدة من أهم العواصم الثقافية في العالم، وعن الطريقة التي تحوّلت بها البروفات نفسها إلى مساحة تواصل إنساني بين الموسيقيين السعوديين والإيطاليين.
لماذا روما؟
يدرك باول باسيفيكو التساؤلات التي قد تجول في البال حول سبب اختيار تقديم الموسيقى الكلاسيكية.. أو حتى خيار تقديمها في المحافل العالمية، وللإجابة، يشير بيده نحو مبنى الكولوسيوم قائلًا: "الإجابة موجودة خلفنا مباشرة. نحن نقف في واحدة من أعظم العواصم الثقافية في العالم. فالموسيقى الكلاسيكية تُعد جزءًا أصيلًا من الهوية الإيطالية، لكننا هنا نتحدث عن الموسيقى الكلاسيكية الغربية تحديدًا. وما أحبه في هذه التجربة هو أننا نمتلك الفرصة لوضع الموسيقى السعودية في المكانة ذاتها، باعتبارها موسيقى تمتلك تقاليد عريقة، ورقيًا، وأناقة، وقيمة فنية تضاهي أعظم الأنماط الموسيقية في العالم، تمامًا كأي موسيقى كلاسيكية عالمية، بما في ذلك هنا في إيطاليا. لذلك، فإن جمع الموسيقى السعودية بالموسيقى الكلاسيكية الإيطالية في هذا المكان تحديدًا يُعد امتيازًا حقيقيًا.”
وتحدث باسيفيكو عن البروفات باعتبارها واحدة من أكثر اللحظات التي تعكس جوهر المشروع الحقيقي، موضحًا: “والشيء الذي أعتقد أنه يعكس فعلًا اندماجًا أصيلًا بين الثقافتين، هو ما يمكن أن تراه إذا قضيت وقتًا داخل قاعة البروفات قبل الحفل. ستشعر بوضوح كيف تستطيع الموسيقى أن توحّد الناس بعيدًا عن مفاهيم الدبلوماسية الثقافية أو القوة الناعمة. إنها علاقة إنسانية حقيقية بين البشر.”
وأضاف: “يمكننا الآن سماع الجوقة وهي تجري اختبار الصوت. وخلال البروفات، كان من المدهش رؤية الجوقة الإيطالية وهي تتفاعل مع الجوقة السعودية، يتحدثون عن شغفهم المشترك بالموسيقى وتجاربهم المختلفة معها، وعن الخلفيات الفنية التي ينتمون إليها. الأمر يشبه الحديث بلهجتين مختلفتين للغة واحدة. ورؤية هذا التقارب بينهم، وكيف يتعاونون ويتواصلون ويتبادلون الخبرات، تمثل بالنسبة لي جوهر وروح ما نحاول تقديمه هنا من خلال الأوركسترا.”
فلسفة “روائع الأوركسترا السعودية”
أوضح باسيفيكو أن فكرة المشروع تقوم أساسًا على خلق مساحة يلتقي فيها التراث الموسيقي السعودي مع ثقافات العالم المختلفة، قائلًا: “فكرة جولة “روائع الأوركسترا السعودية” تقوم على جمع أفضل ما في السعودية مع أفضل ما تقدمه ثقافات العالم. ولذلك، فإن وجودنا هنا في روما، هذه العاصمة الثقافية العالمية، للتعاون مع موسيقيين إيطاليين، ومع المايسترو مارتشيلو روتا والمايسترو أندريا بوتشيلي، يمثل فرصة لجمع أجمل ما في الثقافتين، من خلال الأوركسترا والجوقة الوطنية السعودية، وصياغة هذه الخيوط الموسيقية المختلفة في عرض متناغم وجميل.”
لماذا أندريا بوتشيلي تحديدًا؟
وتطرق الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى إلى العلاقة الطويلة التي تجمع أندريا بوتشيلي بالسعودية، موضحًا: “زار بوتشيلي المملكة مرات عديدة وقدم عروضًا فيها. لذلك، كان من المهم جدًا بالنسبة لنا، ونحن نأتي إلى إيطاليا للمرة الأولى برفقة أوركسترانا الوطنية، أن ندعوه ليكون معنا هنا، كما كان معنا سابقًا في السعودية. والآن بعد وجودنا هنا، أصبح لدينا فرصة مختلفة للتعاون، ونحن متحمسون جدًا لذلك.”
ماذا بعد روما؟
في ختام حديثه، ألمح باسيفيكو إلى المحطات المقبلة من المشروع، مؤكدًا أن عنصر المفاجأة سيبقى جزءًا أساسيًا من هوية “روائع الأوركسترا السعودية”: “ومن خلال هذا العرض، نجحنا دائمًا في الحفاظ على عنصر المفاجأة، وإبهار الجمهور في السعودية، وكذلك الجمهور حول العالم الذي يطالبنا باستمرار بإحضار هذا العرض إلى مدنه. ولسنا مستعدين بعد للكشف عن وجهتنا المقبلة، لكن لكل من يشاهدنا الآن: ترقبوا، فقد تكون مدينتكم التالية.”
وأضاف: "إذا حدث ذلك، فسنبدأ من صفحة بيضاء تمامًا، نجلس مع الكثير من الأفكار الإبداعية، ونعمل بجد لنفهم كيف يمكن أن نمزج بصورة أصيلة بين الثقافة السعودية والموسيقى السعودية الجميلة، وبين موسيقى وثقافة الدولة التي سنزورها لاحقًا. لذا، ترقبوا ما هو قادم.”






