لم تكن لطيفة يومًا صوتًا يبحث عن منطقة آمنة. منذ بدايتها، بدا واضحًا أن ما يحركها ليس الرغبة في خلق صورة ثابتة، بل في اختبار وتجربة كل الألوان الموسيقية التي تستهويها. إنها لا تؤمن بفكرة اللون الواحد، ولا ترتاح لفكرة أن يتعرّف الجمهور إليها من زاوية واحدة فقط. في عامها الخامس والستين، تبدو لطيفة واحدة من أكثر الأصوات العربية مرونةً، لا لأنها انتقلت بين اللهجات فحسب، بل لأنها عبرت المشاهد الموسيقية العربية كلها تقريبًا، من الطرب الكلاسيكي إلى البوب المعاصر، ومن المسرح الرحباني إلى موجات البوب المتأثرة بالمهرجانات.
البداية: صوت يخرج من التلفزيون إلى القاهرة
خرج اسم لطيفة إلى العلن من برنامج "نادي المواهب" على التلفزيون التونسي سنة 1978، لتعلن عن نفسها كموهبة طربية. انتقالها إلى مصر كان اختيارًا واعيًا للدخول إلى قلب الصناعة الموسيقية العربية. هناك التقت بالشاعر الغنائي عبد الوهاب محمد، الذي كان قد كتب لكبار مطربين الزمن الجميل، وكان جزءًا من المرحلة الأخيرة في تاريخ الأغنية الطربية الكلاسيكية مع أم كلثوم ومعاصريها. أعجب بصوتها، وتبنّاها فنيًا، ليصبح شريكها الأبرز لسنوات طويلة، لتلازم لطيفة كلماته حتى رحيله، وكأن العلاقة بينهما لم تكن مجرد تعاون، بل صياغة متكاملة لهوية فنية.
مرحلة التأسيس: الطرب في زمن التحوّل
في الثمانينات، كانت الأغنية العربية تعيش تحوّلًا حادًا. الموجة الشبابية بدأت تظهر، والإيقاع صار أسرع. لطيفة لم تنخرط بالموجة، وكانت خياراتها بالبداية تميل للأغنية الطربية، ليست طربية كلاسيكية تمامًا، فهي لم تكن في موقع الدفاع عن الطرب، بل في موقع تطويره.
تعاونت مع أسماء كبيرة شكّلت آخر موجات الطرب المصري: بليغ حمدي وصلاح الشرنوبي وعمار الشريعي ويحيى الموجي وغيرهم. كل واحد منهم وجد في صوتها مساحة مختلفة. لم تكن صاحبة طبقة استعراضية فحسب، بل صاحبة إحساس قابل للتشكيل. كانت قادرة على أن تكون طربية من دون أن تكون قديمة.
الخروج من الوعاء الطربي: بوابة كاظم الساهر
لم يكن انتقال لطيفة إلى مساحة أخفّ استجابةً لتحولات الأغنية المصرية الحديثة واندماجًا مع إيقاعها، بل قرارًا فنيًا واضحًا بالخروج من وعاء الأغنية الطربية الثقيلة الذي رسّخ حضورها في بداياتها. بعد أن أعجبت بتجربة كاظم الساهر، تعاونت معه للمرة الأولى في ألبوم "ما وحشتكش"، حيث لحن لها كلمات عبد الوهاب محمد؛ الذي رحل في العام ذاته، لكن قدم كلماته بروح مختلفة تمامًا عمّا اعتادته مع ملحنيها السابقين.
ألحان الساهر حملت خفةً أوضح، وبُعدًا لحنيًا متأثرًا بتجربته العراقية، وبصياغة أقرب إلى البوب المعاصر، من دون أن تبتعد تمامًا عن الحس الطربي. جاءت "ما وحشتكش" كتحوّل نوعي بعد أغانيها الطربية الأثقل، رغم أن هذا التحوّل كان قد بدأ يتشكّل تدريجيًا في أعمال مثل "حبك هادي" و"تاني وتالت ورابع"، حيث كانت الأغنية الطربية نفسها تميل إلى الخفة، كأنها تمهّد لهذا العبور.
ثم جاء عام 1998 بألبوم "تلومني الدنيا"، ليكرّس هذا التحوّل. للمرة الأولى في ألبوماتها، تغني لشاعر غير عبد الوهاب محمد، حيث تضمن الألبوم أغنيتين لنزار قباني، بالإضافة إلى ما تبقى من أغاني من كلمات عبد الوهاب محمد. وفي الأغنية الأشهر من الألبوم، "الإنسان"، تقف إلى جانب كاظم الساهر في دويتو شكّل واحدة من أكثر تجاربها إثارة. كان ذلك إعلانًا صريحًا عن فتح باب أوسع للتنوّع، وعن استعدادها لتفكيك حدودها الأولى، والدخول إلى مناطق لم تكن محسوبة عليها سابقًا. ومن هنا، لم تعد لطيفة صوت يمثل الموجة الطربية الأخيرة التي تشكلت في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، بل صار صوتًا يتقن الانتقال بين الضفتين: الأغنية الطربية وأغاني البوب العصرية.
وفي ألبومها التالي "واضح"، سنة 1999، قطعت لطيفة شوطًا أطول بالابتعاد عن الأغنية الطربية مع تنوعات أوسع، وأغاني أكثر إيقاعية مثل "انشالله"، وبعضها صادم بنحو غير متوقع مثل "كرهتك".
الخلطات الغريبة: بين بيروت والقاهرة
وفي مطلع الألفية بدأت لطيفة تلعب دورًا مختلفًا، تحولت إلى جسر ممتد بين صناع الموسيقى من مختلف المشاهد الموسيقية السائدة في العالم العربي، لتبرز قدرتها على خلق خلطات موسيقية غير متوقعة، لتأخذ كلمات مصرية، وتمنحها توزيعًا من ملحن أو موزع لبناني، حين كان البوب اللبناني يعيش عصرًا ذهبيًا. فعلت ذلك أولًا عندما أخذت كلمات "ما تروحش بعيد" من الشاعر الغنائي المصري محمد رفاعي، وتعاونت مع جان ماري رياشي بالتلحين والتوزيع، وكانت الأغنية الرئيسية في ألبومها الصادر عام 2003. وكررت الأمر بالعديد من المرات، لتظهر جرأة في إعادة تركيب المشاهد الموسيقية المختلفة، وأبرز تلك التجارب حين جعلت زياد الرحباني يلحن ويوزع أغنية "عشقانة"، الأغنية الوحيدة التي لحنها باللهجة المصرية. بالإضافة إلى تقديم آخر أغنية من كلمات عبد الوهاب محمد بلحن من مروان خوري. هذه الجرأة في إعادة تركيب عناصر من المشاهد الموسيقية المختلفة ومزجها داخل أغنية واحدة هي ما جعل صوتها عابرًا للحدود، لا جغرافيًا فقط، بل أسلوبيًا.
التجربة الرحبانية: حكم الرعيان وزياد
إعجابها المبكر بتجربة فيروز والمسرح الرحباني لم يكن سرًا. مشاركتها في مسرحية "حكم الرعيان" مع منصور الرحباني كانت محاولة واعية للاقتراب من اللون الرحباني، لا كمحاكاة، بل كاختبار لقدرتها على دخول هذا العالم.
ثم جاءت واحدة من أهم محطاتها: ألبوم "معلومات أكيدة" عام 2006 مع زياد الرحباني. هنا ظهر بوضوح مدى مرونة صوتها. زياد، الذي كان يلحن لفيروز بأسلوب، ويلحن ألبوماته بأسلوب آخر أكثر خفة أو جرأة، وجد في لطيفة صوتًا قادرًا على حمل تناقضاته. في "أمنيلي بيت" تقترب لطيفة بصوتها من المناخ الفيروزي، وفي "بنص الجو" تميل إلى مساحة أكثر حداثة وحرية، تشبه تجربة زياد الرحباني مع سلمى.
التراث الغني واللهجات المختلفة
لقد كانت لطيفة دائمة البحث عن الجماليات في الأغنية العربية، بماضيها وحاضرها، فكان لها العديد من التجارب بتقديم أغاني تراثية، أشهرها من التراث الليبي مثل "غاليتيني" و"دللتني". وجربت أن تخوض تجربة الغناء بمختلف اللهجات العربية، فبعد غنائها باللبنانية مع الرحابنة قدمت سنة 2009 أول ألبوم خليجي كامل لها، "أتحدى"، الذي كان افتتاحًا لسلسلة من الإصدارات الخليجية أبرزها "عزتي". وظلت لطيفة تواصل شغفها ورحلتها بالاستكشاف الموسيقي حتى السنوات الأخيرة. ربما كانت الأغاني المغاربية هي المساحة الأصغر في مسيرتها، لكنها عندما تغني بلهجتها التونسية فهي تقدم سحر من نوع خاص، وكانت أغنيتها الأخيرة بالتونسية "نتفكر" مثال على السحر الخاص بصوت لطيفة عندما تعود لجذورها.
بعد الستين: حين لا يخاف الصوت من "Sorry"
المثير أن لطيفة، بعد أن تجاوزت الستين، لم تتجه إلى تثبيت صورتها، بل واصلت رحلتها المثيرة وكسر الحدود المتوقعة عنها من جديد. ففي ألبومها الأخير "قلبي ارتاح"، تعاونت مع أسماء تمثل الموجة الجديدة من البوب المصري، المتأثرة بنغمات المهرجانات، وذلك بتعاوناتها مع أبناء هذه الجنرا الشعبية: الشاعر مصطفى حدوتة والملحن كولبكس، بأغاني مثل "Sorry"؛ التي لم تكن مجرّد تجربة شبابية متأخرة، بل إعلان واضح أن صوت لطيفة لا يشيخ أبدًا وأن فضولها الموسيقي لا يقف عند حد. وهكذا دخلت عالم موسيقي جديد من دون أن تحاول أن تكون نسخة عن أحد. صوتها يحتفظ بهويته، لكنه يتماهى مع الإيقاع. لا يطغى عليه، ولا يتراجع أمامه.
واليوم رغم أنها بلغت الخامسة والستين من عمرها، لا تبدو لطيفة كفنانة تُحصي إنجازاتها، بل كصوت لايزال يبحث. وهذا ربما سرّها الحقيقي: أنها لم تتعامل يومًا مع هويتها كحدّ، بل كمساحة مفتوحة، ولم تفترض أن صوتها عنصر جامد يتقاطع أو يختلف مع المشاريع الموسيقية، بل هو أداة مرنة قادر على التماهي معها ويمنحها دفئه الخاص.
ولهذا، حين ننظر إلى مسيرتها، لا نرى انتقالات متناقضة، بل خطًا واحدًا واضحًا: شغف لا يهدأ ومرونة نادرة وإيمان بأن الغناء ليس لونًا واحدًا، بل احتمالات لا تنتهي.






