أعاد فيلم "الست" فتح استعراض من أكثر صفحات حياة كوكب الشرق أم كلثوم حساسية وإثارة للجدل، تلك التي جمعتها بالملحن محمود الشريف، الرجل الذي تحولت زيجته من أم كلثوم إلى قضية رأي عام، ووضعت أمة كاملة في مواجهة موسيقار كل ذنبه أنه أحب "الست". فمن هو محمود الشريف؟ وكيف تحولت قصة حب إلى عاصفة أطاحت بزواج لم يكتمل؟
لم يعرف الوسط الفني عبر تاريخه زيجة فجّرت هذا القدر من الجدل مثل زواج أم كلثوم من محمود الشريف. جدل غذّاه فارق السن، واختلاف المكانة، والأهم أن الجمهور كان يرى أم كلثوم ملكًا عامًا، لا يجوز أن يقترب منها رجل.
البداية كانت في مكتب الإذاعي محمد فتحي، حيث التقت أم كلثوم بمحمود الشريف للمرة الأولى. عرفت أنه ملحن أغنية محمد عبد المطلب الشهيرة "بتسأليني بحبك ليه"، وصاحب رصيد لافت من ألحان المسلسلات الإذاعية. في هذا اللقاء، وعلى حد رواية الشريف في كتاب "أم كلثوم" للدكتورة نعمات فؤاد، اشتعلت شرارة الإعجاب. يقول الشريف: دعتني أم كلثوم على عشاء فاخر في منزلها بصحبة بعض الأصدقاء، كانت مرحة وتلقي النكات، وفي تلك الليلة بدأت قصة الحب. لقد وُلدت مرتين، مرة حين ولدتني أمي، ومرة أخرى حين أحببت أم كلثوم.
مع تولي أم كلثوم منصب نقيب الموسيقيين، ازدادت العلاقة قربًا، خاصة بعد أن شغل محمود الشريف منصب السكرتير العام للنقابة، مدعومًا بدوره في حملتها الانتخابية أمام محمد عبد الوهاب.
الرجل الذي احتضن العاصفة!
تشير بعض المراجع، ومنها رواية "حانة الست" لمحمد بركة، إلى أن الزواج تم سرًا عام 1944، قبل الإعلان الرسمي عام 1946. لكن المؤكد أن إعلان الزواج كان بمثابة زلزال ضرب الوسط الفني والإعلامي، وربما القصر الملكي نفسه.
صحيفة "أخبار اليوم" نشرت الخبر بينما كان العروسان في شهر العسل بالإسكندرية، ليتحول الحدث سريعًا إلى حملة صحفية قاسية بعنوان: "كيف تتزوج أم كلثوم من هذا الشاب البسيط؟"
يتذكر محمود الشريف هذه الواقعة في لقاء تلفزيوني سابق مع الإعلامي مفيد فوزي قائلًا: "مقال أخبار اليوم كان سبب المشاكل، خصوصًا لما سألوها: هتعتزلي الغناء بعد الجواز؟ فردت: الأمر متروك ليه، هو جوزي.. كان هذا خطأ كبيرًا منها. التصريح ده جعلني الرجل الذي احتضن العاصفة، وجدت نفسي رجلًا يقف أمام أُمة كاملة تهاجمه لأنه تزوج أم كلثوم. لم يتقبلوا الفكرة، لأن كل مستمع لم يكن يعتقد أنها ملكه!"
بعد أيام قليلة، انتهى الزواج. وتشير مصادر عدة، منها "مذكرات محمود الشريف"، إلى أن الطلاق جاء نتيجة ضغوط مباشرة من القصر الملكي.
الأغنية التي لم تولد مع "الست"
رغم الزواج، لم يلحن محمود الشريف أي أغنية لأم كلثوم. السبب كان خلافًا فنيًا جوهريًا؛ الشريف كان متمردًا على المقدمات الموسيقية الطويلة، بينما تمسكت أم كلثوم بالشكل الكلاسيكي. حاول الطرفان التعاون، لكن المشروع لم يكتمل.
ربما ظلم التاريخ محمود الشريف عندما اختصره في صفحة من حياة كوكب الشرق، لكن الأثر الفني الكبير الذي أنجزه هذا الموسيقار السكندري الشاب كان عميقًا ومجددًا لشكل الأغنية المصرية في وقت مبكر.
بدأ الشريف رحلته الموسيقية مبكرًا، متأثرًا بسيد درويش، ومرّ بتجارب مسرحية مع فرقة بديعة مصابني. احتكاكه المبكر بالجمهور صاغ وعيه الفني، فقدم مونولوجات شكوكو وإسماعيل يس، ودخل الإذاعة ملحنًا لتترات المسلسلات. احتكاك الشريف مبكرًا بالجمهور غيّر أفكاره الموسيقية. عرف ما يريده الجمهور فقدمه لهم.
من هنا بدأ الشريف تمرده على الأغنية الكلاسيكية التي رسخ قواعدها عبد الوهاب والقصبجي، فاتجه للتعاون مع مطربي الأغنية الشعبية. قدم مع محمد عبد المطلب أغنيته "بتسأليني بحبك ليه"، ثم قدم له الأيقونة الخالدة "رمضان جانا"، والتي ما زالت مرتبطة في وجدان المستمع المصري بحلول الشهر الفضيل.
من "رمضان جانا" إلى العندليب
تنقلت نغمات الشريف فوق حناجر نجوم الأغنية الشعبية، فلحن لعبد المطلب عدة روائع مثل "ودع هواك – راح فين – يا أهل المحبة" وغيرها، وقدم لكارم محمود أغنيات مثل "على شط بحر الهوى – عيني بترف"، ولحن لمحمد قنديل "تلات سلامات"، ولعبد الغني السيد "عالحلوة والمرة – البيض الأمارة – ولا يا ولا"، وغيرها من الأغاني التي مثلت طفرة في شكل الأغنية المصرية.
تعاون محمود الشريف مع عبد الحليم حافظ في فيلم "موعد غرامي"، حين لحن له أغنيتي "حلو وكداب – يا سيدي أمرك"، وامتدت تعاوناته بعدها مع أهم النجوم مثل شادية، وصباح، وليلى مراد، ووردة، حتى بلغت ألحانه قرابة الـ 800 أغنية.
ألحان في قلب العدوان
ولا ينسى التاريخ أنه في عام 1956، وخلال العدوان الثلاثي على مصر، لحن الشريف نشيد "الله أكبر فوق كيد المعتدي"، والذي أصبح واحدًا من أهم الأناشيد الإذاعية المصرية، قبل أن يتحول إلى النشيد الوطني الرسمي لليبيا عام 2011.
رغم كل هذه النجاحات، عاش محمود الشريف ما تبقى من حياته في شقة بسيطة بحي باب اللوق بوسط القاهرة، ورغم زواجه من شقيقة زوجة محمد عبد المطلب، إلا أنه ظل أسيرًا لذكريات قصته مع أم كلثوم. لم يتخلص من الاكتئاب الذي نهش روحه بعد وفاتها، رغم تكريم الدولة له بمنحه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1985، وجائزة الدولة التقديرية عام 1989، قبل رحيله بعام واحد فقط، ليبقى لقب الرجل الذي "احتضن العاصفة" ملازمًا له حتى رحيله.






